فقه التثبت من أهل القيادة..

كيف يُختبر القائد قبل حمل المسؤولية؟ موقف الأحنف بن قيس

د. نصر حسن

17 أغسطس 2026

83

عمر بن الخطاب يختبر الأحنف بن قيس قبل تولي المسؤولية

تصوير رمزي لمشهد من التاريخ الإسلامي يعبر عن اختبار القادة قبل منح المسؤوليات، مع إبراز معاني الحكمة والتثبت والقيادة.

أورد الذهبي بإسناده عن العلاء بن الفضل المنقري، عن العلاء بن جرير، عن عمر بن مصعب بن الزبير، عن عمه عروة، عن الأحنف بن قيس، أنه قدم على عمر بفتح تُسْتَر، فقال: «قد فتح الله عليكم تُسْتَر، وهي من أرض البصرة»، فقال رجل من المهاجرين: «يا أمير المؤمنين، إن هذا -يعني الأحنف- الذي كف عنا بني مرة حين بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلمه في صدقاتهم، وقد كانوا هموا بنا»، قال الأحنف: «فحبسني عمر عنده سنة، يأتيني في كل يوم وليلة، فلا يأتيه عني إلا ما يحب، ثم دعاني، فقال: يا أحنف، هل تدري لم حبستك عندي؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا كل منافق عليم، فخشيت أن تكون منهم، فاحمد الله يا أحنف»(1).

يقدم هذا الأثر مشهدًا دقيقًا من مشاهد بناء الدولة في عصر الخلافة الراشدة؛ حيث لم تكن صناعة القادة قائمة على الشجاعة الظاهرة وحدها، ولا على حسن العرض والفصاحة، بل على امتحان أعمق يتصل بسلامة القلب، وثبات السلوك، وقدرة الإنسان على حمل المسؤولية دون أن تفسده مكانته، والقراءة العلمية لهذا الموقف تنطلق من سياقه التاريخي؛ فهو مرتبط بمرحلة توسع الدولة الإسلامية بعد الفتوحات، حين أصبحت الحاجة شديدة إلى رجال يجمعون بين القوة الاجتماعية، والوعي السياسي، والانضباط الأخلاقي.

ويؤيد هذا التصور أصل قرآني جامع في صفات من يُعهد إليه بالعمل والمسؤولية، وهو قوله تعالى على لسان ابنتي شعيب في موسى عليه السلام: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، وهذا الأصل يجعل خبر الأحنف أكثر من مجرد قصة في اختبار رجل؛ إذ يكشف عن معيار مركب في اختيار القادة، يتمثل في القدرة التي لا تنفصل عن الأمانة، والكفاءة التي لا تنفصل عن الاستقامة.

كما أن هذا المعنى يمهد لفهم جانب آخر في شخصية الأحنف، وهو أن قدرة الإنسان على حمل المسؤولية لا تتعلق بما يملكه من قوة أو مكانة فحسب، وإنما بقدرته على استخدام مكانته دون أن تفسده.

عندما يصبح الذكاء موضع اختبار لا موضع تزكية

كان الأحنف بن قيس من الشخصيات التي جمعت بين رجاحة العقل وقوة التأثير الاجتماعي، فقد عُرف بالحلم والسؤدد والقدرة على ضبط قومه، وهذه الصفات نفسها التي جعلته شخصية نافعة للدولة جعلت عمر بن الخطاب ينظر إليه بعين المسؤولية لا بعين الانبهار.

فالقيادة الواعية لا تخاف من أصحاب القدرات، لكنها تتحقق من اتجاه هذه القدرات؛ لأن الذكاء إذا انفصل عن التقوى قد يتحول من أداة بناء إلى وسيلة اضطراب، فليست المشكلة في امتلاك الإنسان قدرة عالية على التفكير أو التأثير، وإنما في القيم التي تحكم استخدام هذه القدرة.

ويعضد هذا المعنى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة: 204)؛ إذ تلفت الآية النظر إلى إمكان وجود فجوة بين جمال القول وحقيقة الباطن، وهو ما يجعل القدرة الخطابية وحدها معيارًا غير كافٍ للحكم على صلاح الإنسان.

ومن هنا، يظهر معنى الحديث الذي استند إليه عمر رضي الله عنه: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم بَعْدِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ»(2)؛ أي أن خطر صاحب القدرة البيانية حين يُخفي فسادًا داخليًا أعظم من خطر ضعيف التأثير، وهذا يبين أن القائد الناجح لا يبحث فقط عن الموهبة، بل عن الموهبة المنضبطة بالقيم.

ويتأكد هذا المعنى بما نُقل عن الحسن البصري رحمه الله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل»(3)؛ إذ يربط هذا القول بين حقيقة ما يستقر في الباطن وأثره في السلوك، بما يؤكد أن القيم لا تكتسب دلالتها القيادية إلا حين تتحول إلى ممارسة عملية، ومن ثَمَّ، فإن اختبار القائد لا ينبغي أن يقف عند ما يمتلكه من ذكاء أو فصاحة أو قدرة على التأثير، بل يمتد إلى ما تكشفه ممارسته الفعلية من صدق واستقامة.

وهنا تظهر دقة موقف عمر؛ فهو لم يكن يخشى الذكاء لذاته، ولا الفصاحة لذاتها، وإنما كان يخشى أن تكون القدرة الظاهرة غطاءً لخلل باطني، ولذلك أصبح الاختبار وسيلة للتمييز بين الموهبة التي تخدم الحق، والموهبة التي قد تستخدم الحق غطاءً لأغراض أخرى.

منهج عمر في التثبت قبل منح الصلاحيات

لم يكن احتفاظ عمر بالأحنف سنة كاملة إجراءً قائمًا على سوء الظن المجرد، بل كان نموذجًا في التحقق من الرجال قبل إسناد الأدوار الكبرى إليهم، فالقيادة الرشيدة لا تبني قراراتها على الانطباع الأول، وإنما تجمع بين المعرفة السابقة والملاحظة المباشرة وتجربة الإنسان في مواقف مختلفة.

ويتوافق هذا المنهج مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، فالتثبت يقتضي ألا يُبنى الحكم على مجرد الخبر أو الانطباع، وإنما على التحقق من حقيقة الأمر وملابساته.

وقد تجسد هذا الفهم عمليًا في مسلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لرجل أثنى على آخر: «هل سافرت معه؟ هل عاملته بالدينار والدرهم؟ هل ائتمنته؟ قال: لا، قال: لعلك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد؟ قال: نعم، قال: اذهب فإنك لا تعرفه»(4)، وهذا الموقف بالغ الدلالة؛ لأن عمر لا يجعل العبادة الظاهرة وحدها معيارًا كافيًا لمعرفة الرجل، وإنما يبحث عن أخلاقه حين يدخل في المعاملة والائتمان والمواقف التي تظهر فيها حقيقة الإنسان.

ويتأكد هذا المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين بلغه أنه كتب إلى قريش بخبر مسير المسلمين، فلم يعجل بالحكم عليه، بل سأله مباشرة: «يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟»، فلما بيّن عذره وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ»(5)، وفي ذلك دلالة على أن التثبت لا يقتصر على اختبار السلوك الظاهر، بل يمتد إلى التحقق من الدوافع والملابسات قبل إصدار الحكم.

وهذا هو جوهر التثبت في اختيار القيادات؛ أن يُعرف الإنسان في مواقف تكشف طباعه ومسؤوليته، وأن تُفهم أفعاله في سياقها، لا أن يُحكم عليه من خلال صورة مختصرة أو انطباع عابر.

وفي واقع المؤسسات اليوم، يظهر هذا المعنى في أهمية التقييم المتأني للقيادات، وعدم الاكتفاء بالكفاءة الفنية أو الحضور الإعلامي؛ لأن الاستقامة العملية، وفهم الدوافع، والقدرة على تحمل المسؤولية هي التي تثبت صلاحية الإنسان للمواقع الحساسة.

لماذا لم يحول الأحنف التقييم إلى خصومة؟

كان من الممكن أن يرى الأحنف في هذا الاحتجاز انتقاصًا من قدره، خصوصًا وهو سيد في قومه وصاحب موقف مشهود، لكنه تعامل معه بمنطق مختلف؛ فلم يحوله إلى معركة شخصية، ولم يجعل مكانته الاجتماعية حاجزًا أمام اختبار القيادة.

وهنا تظهر إحدى خصائص الشخصية الناضجة؛ القدرة على إعادة تفسير الأحداث؛ فالإنسان محدود الخبرة قد يرى الرقابة إهانة، أما الإنسان الراشد فقد يراها فرصة لإثبات الثقة.

ويتصل هذا النضج بقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ»(6)، فالصبر هنا لا يعني مجرد تَحمُّل الموقف، وإنما القدرة على ضبط السلوك والانفعال عند التعرض للاختبار.

ويتصل بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ؛ الْحِلْم وَالْأَنَاة»(7)؛ فالحلم يعكس قدرة الإنسان على ضبط نفسه، بينما تعكس الأناة قدرته على التريث وعدم الاستجابة المتعجلة للمواقف، وهما معًا من مقومات النضج الذي يعين الإنسان على التعامل مع الاختبار بعيدًا عن الانفعال أو ردود الفعل الشخصية.

وقد انعكس هذا المعنى في شخصية الأحنف نفسه، فقد كان الحلم من الصفات التي عُرف بها، ومن كلامه: «إني لستُ بحَليمٍ، ولكني أتحالم»(8)، وهذه العبارة تكشف أن الحلم عند الأحنف لم يكن مجرد صفة عارضة، وإنما ممارسة مقصودة لضبط النفس؛ فهو لا يدعي كمال الحلم، وإنما يصف قدرته على حمل نفسه عليه والالتزام بمقتضاه، ومن ثم فإن قدرته على احتمال اختبار عمر لم تكن موقفًا منفصلًا عن شخصيته، بل كانت جزءًا من النضج الذي جعل الثقة به ممكنة.

وهكذا يتضح أن صبر الأحنف لم يكن استسلامًا للرقابة، ولا عجزًا عن الاعتراض، وإنما كان قدرة واعية على ضبط النفس وتأجيل الحكم والانفعال حتى تتضح حقيقة الموقف؛ وهي خصلة تجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية وأبعد عن تحويل الاختبار إلى خصومة شخصية.

كيف توظف النفوذ الاجتماعي في حماية الحق؟

يكشف الموقف السابق مع بني مرة عن جانب مهم في شخصية الأحنف؛ فقد كان قادرًا على التأثير في قومه ومنعهم من الاندفاع في مواجهة أصحاب الحق، فالزعامة في المجتمعات القبلية لم تكن مجرد مكانة اجتماعية، بل كانت قوة مؤثرة في استقرار المجتمع أو اضطرابه.

ومن هنا نفهم أن الإسلام لم يلغِ دور الشخصيات المؤثرة، وإنما أعاد توجيهها؛ فالقوة الاجتماعية تصبح قيمة حين تستخدم في ضبط النزاعات، وحماية الجماعة، وتحقيق العدل.

وقد جاء في الأثر أن رجلًا من المهاجرين شهد للأحنف أمام عمر فقال: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا -يَعْنِي الأَحْنَفَ- الَّذِي كَفَّ عَنَّا بَنِي مُرَّةَ حِينَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ فِي صَدَقَاتِهِم، وَقَدْ كَانُوا هَمُّوا بِنَا»(9).

وهذه الشهادة تكشف أن زعامة الأحنف لم تكن مجرد نفوذ على قومه، بل كانت قدرة على توجيه هذا النفوذ نحو منع العدوان وحماية أصحاب الحق، ولذلك كان تأثيره الاجتماعي أحد جوانب الكفاءة التي جعلت منه رجلًا ذا قيمة في إدارة الجماعة.

وتؤصل السُّنة لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(10)، فالقيادة في التصور النبوي ليست امتيازًا اجتماعيًا مجردًا، وإنما مسؤولية ومحاسبة، وكلما اتسعت دائرة تأثير الإنسان، ارتفع مستوى مسؤوليته؛ لأن من يستطيع توجيه الجماعة يستطيع أن يسهم في تهدئة النزاع أو إشعاله، وفي بناء الثقة أو إضعافها.

ويتجلى هذا المعنى كذلك في موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم «بدر»، حين وظّف مكانته في قومه ونفوذه بينهم في توحيد موقفهم وتوجيهه نحو نصرة الحق، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌لَوْ ‌أَمَرْتَنَا ‌أَنْ ‌نُخِيضَهَا ‌الْبَحْرَ ‌لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا»(11)، ويكشف هذا الموقف أن الزعامة الاجتماعية تبلغ قيمتها الحقيقية حين تتحول من مجرد مكانة بين الناس إلى قدرة على جمعهم وتوجيههم نحو المصلحة العامة.

وهذا المعنى لا يقتصر على الزعامة القبلية القديمة، بل يمتد إلى واقعنا المعاصر؛ فالمؤثر في الأسرة أو المجتمع أو الإعلام يحمل مسؤولية تتجاوز ذاته، لأن الناس قد يتأثرون بموقفه أكثر من كلامه.

لماذا لا تكفي البلاغة لإثبات صلاح القائد؟

من أعمق الدلالات التي يكشف عنها هذا الخبر أن الفصاحة ليست دليلًا كافيًا على صلاح الإنسان، كما أن قوة الشخصية ليست ضمانًا للاستقامة، ولذلك كانت مدرسة الصحابة قائمة على الجمع بين جمال البيان وصحة الباطن، وبين القدرة والتقوى؛ فالقائد الذي يمتلك لسانًا مؤثرًا يحتاج إلى قلب صادق، لأن الكلمة إذا انفصلت عن الأمانة قد تصبح وسيلة تضليل.

وقد نبه القرآن الكريم إلى الفجوة الممكنة بين القول وحقيقة الإنسان، فقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة: 204)، فالآية تجعل جمال القول وحده غير كافٍ للحكم على الإنسان، لأن قيمة الكلام لا تنفصل عن حقيقة القلب والعمل.

ويأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»(12)، ليكشف عن قوة التأثير التي تحملها البلاغة؛ فالبيان قادر على استمالة النفوس والتأثير فيها، ولذلك فإن قوة الكلمة تحتاج إلى أمانة تضبطها، وإلى خلق يمنع صاحبها من تحويلها إلى أداة تضليل.

ويؤكد عبدالله بن مسعود رضي الله عنه هذا المعنى بقوله: «إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه ‌فمن ‌كثر ‌علمه ‌وقل ‌قوله ‌فهو ‌الممدوح ‌ومن ‌كان ‌بالعكس ‌فهو ‌مذموم»(13)، وبذلك ينتقل معيار التقييم من مجرد جودة القول إلى مدى تقدم العلم والعمل والصدق على اللسان؛ فليست المشكلة في أن يكون القائد بليغًا، وإنما في أن تكون بلاغته خادمة لحقيقة يؤمن بها ويعمل وفقها.

معايير اختيار القيادات بين المهارة والاستقامة العملية

يحمل هذا الموقف رسالة واضحة لكل مؤسسة تبحث عن بناء الرجال؛ لا يكفي اكتشاف المواهب، بل يجب صناعة البيئة التي تكشف الأخلاق تحت الضغط، فالإنسان يُعرف في المواقف الطويلة، وفي لحظات الانتظار، وعند غياب التصفيق، وعندما لا تكون المكاسب قريبة.

ومن هنا، فإن التربية القيادية الناجحة لا تركز فقط على المهارات، وإنما تبني الصبر، والانضباط، والقدرة على تقبل التقييم، والشعور بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا.

ويُرسخ هذا المعنى قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23)، فالقيادة تحتاج إلى رجال يثبتون على ما عاهدوا الله عليه، ولا تتغير مبادئهم بتغير الظروف أو المصالح.

ويؤكد هذا المبدأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قِيلَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»(14).

فالحديث يربط بين صلاح الإدارة وحسن اختيار من يتولى المسؤولية، ويجعل وضع الأمر في غير أهله صورة من صور تضييع الأمانة.

ومصداق ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لأصحابه: «تمنوا»، فلما تمنوا المال والجوهر لينفقوه في سبيل الله، قال عمر: «أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ ‌رِجَالًا ‌مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ»(15).

فلم يكن طموح عمر أن يجد مجرد أصحاب قدرات، وإنما أن يجد رجالًا يجمعون الصلاح والكفاءة، ويمكن توظيف قدراتهم في خدمة الحق والمصلحة العامة.

وهنا تظهر صناعة القادة في صورتها الأعمق؛ ليست اكتشافًا لموهبة فحسب، وإنما اكتشاف للإنسان القادر على حمل الموهبة بأمانة.

لماذا تتطلب القيادة اجتماع الكفاءة والأمانة والاختبار؟

لقد رأى عمر في الأحنف مشروع قائد، لكنه لم يكتفِ بما بلغه عنه من مكانة وتأثير، بل أراد أن يطمئن إلى أن هذا المشروع يحمل قوة العقل مع سلامة القلب، وأن القدرة التي يمتلكها الأحنف لن تنفصل عن الأخلاق التي تضبطها.

وفي المقابل، رأى الأحنف في الاختبار فرصة لإثبات نفسه، لا مناسبة للاعتراض؛ فصبر، وتحمل، وترك لسلوكه اليومي أن يكون هو الجواب عن السؤال الذي شغل عمرًا.

وهكذا ظهرت بين الرجلين صورة عميقة من صور صناعة القيادة؛ حاكم لا يمنح ثقته لمجرد الانبهار بالموهبة، ورجل لا يرى الاختبار انتقاصًا من مكانته، وإنما يثبت أهليته من خلال سلوكه.

ومن هنا يمكن استخلاص القاعدة التي يقدمها هذا الموقف؛ أن القائد لا يُعرف بقدرته وحدها، ولا بفصاحته، ولا بمكانته الاجتماعية، وإنما يُعرف حين تجتمع فيه الكفاءة والأمانة، ثم يثبت ذلك تحت الاختبار.

فالاختبار يكشف حقيقة الكفاءة، والأخلاق تضبط القوة، والأمانة تحفظ المسؤولية، والعدل يحفظ أثرها في الناس.

ويكتمل هذا المعنى بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).

فليست صناعة القائد أن نبحث عن الإنسان الأكثر قدرة فحسب، وإنما أن نبحث عن الأقدر على حمل القدرة بأمانة، والأثبت عند الاختبار، والأعدل حين توضع المسؤولية بين يديه، وهذه هي الرسالة الأعمق التي يتركها موقف عمر مع الأحنف؛ أن الثقة لا تُبنى بالانطباع، وإنما بالاختبار؛ والقيادة لا تثبت بالقدرة وحدها، وإنما تثبت حين تحرسها الأخلاق والأمانة والعدل.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 88).
  • 2 أخرجه الطبراني بسند صححه الشيخ الألباني (237).
  • 3 مجموع الفتاوى: ابن تيمية (2/ 103).
  • 4 أدب النفس: الترمذي (79).
  • 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (3007)، ومسلم (2494).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1469)، ومسلم (1053).
  • 7 أخرجه مسلم (17).
  • 8 الطبقات الكبرى: ابن سعد (9/ 94).
  • 9 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 88).
  • 10 متفق عليه، أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829).
  • 11 أخرجه مسلم (1779).
  • 12 أخرجه البخاري (5767).
  • 13 بيان فضل علم السلف على علم الخلف: ابن رجب الحنبلي (5).
  • 14 أخرجه البخاري (59).
  • 15 فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (2/ 740).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة