لماذا كانت العقيدة الإسلامية واحدة وخالدة؟

لماذا كانت العقيدة الإسلامية واحدة وخالدة؟

الإسلام هو دين الله الذي أوحاه إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو إيمان وعمل.

والإيمان يمثل العقيدة، والأصول التي تقوم عليها شرائع الإسلام، وعنها تنبثق فروعه.

والعمل يمثل الشريعة، والفروع التي تعتبر ثمرة للإيمان والعقيدة.

والإيمان والعمل، أو العقيدة والشريعة كلاهما مرتبط بالآخر ارتباط الثمار بالأشجار، أو ارتباط المسبَّبات بالأسباب، والنتائج بالمقدمات.

مفهوم الإيمان والعقيدة

مفهوم الإيمان أو العقيدة ينتظم ستة أمور:

أولاً: المعرفة بالله، والمعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والمعرفة بدلائل وجوده، ومظاهر عظمته في الكون والطبيعة.

ثانيًا: المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة، أو العالم غير المنظور، وما فيه من قوى الخير التي تتمثل في الملائكة، وقوى الشر التي تتمثل في إبليس وجنوده من الشياطين، والمعرفة بما في هذا العالم أيضًا من جِن وأرواح.

ثالثًا: المعرفة بكتب الله التي أنزلها لتحديد معالم الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، والحسن والقبيح.

رابعًا: المعرفة بأنبياء الله ورسله الذين اختارهم ليكونوا أعلام الهدى، وقادة الخلق إلى الحق.

خامسًا: المعرفة باليوم الآخر، وما فيه من بعث وجزاء، وثواب وعقاب وجنة ونار.

سادسًا: المعرفة بالقدر الذي يسير عليه نظام الكون في الخَلق والتدبير.

وحدة العقيدة

وهذا المفهوم للإيمان، هو العقيدة التي أنزل الله بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعلها وصيته في الأولين والآخرين.

فهي عقيدة واحدة، لا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان، ولا تتغير بتغير الأفراد أو الأقوام؛ (‌شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: 13).

وما شرعه الله لنا من الدين، ووصَّانا به -كما وصى رسله السابقين- هو أصول العقائد وقواعد الإيمان، لا فروع الدين، ولا شرائعه العملية؛ فإن لكل أمة من التشريعات العملية ما يتناسب مع ظروفها، وأحوالها، ومستواها الفكري والروحي؛ (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ‌شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة: 48).

لماذا كانت العقيدة الإسلامية واحدة وخالدة؟

وإنما جعل الله هذه العقيدة عامة للبشر، وخالدة على الدهر؛ لما لها من الأثر البيِّن، والنفع الظاهر في حياة الأفراد والجماعات.

فالمعرفة بالله من شأنها أن تفجر المشاعر النبيلة، وتوقظ حواس الخير، وتربى ملكة المراقبة، وتبعث على طلب معالي الأمور وأشرافها، وتنأى بالمرء عن مُحَقَّرات الأعمال وسَفسافها.

والمعرفة بالملائكة تدعو إلى التشبه بهم والتعاون معهم على الحق والخير؛ كما تدعو إلى الوعي الكامل واليقظة التّامّة؛ فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو حسن، ولا يتصرف إلا لغاية كريمة.

والمعرفة بالكتب الإلهية إنما هي عرفان بالمنهج الرشيد الذي رسمه الله للإنسان كي يصلَ بالسير عليه إلى كماله المادي والأدبي.

والمعرفة بالرسل إنما يقصد بها ترسم خطاهم، والتخلق بأخلاقهم، والأسى بهم، باعتبار أنهم يمثلون القيم الصالحة، والحياة النظيفة التي أرادها الله للناس.

والمعرفة باليوم الآخر هي أقوى باعث على فعل الخير، وترك الشر.

والمعرفة بالقدر تزود المرء بقوى وطاقات تتحدى كل العِقاب والصعاب، وتصغر دونها الأحداث الجسام.

وهكذا يبدو بجلاء أن العقيدة إنما يقصد بها تهذيب السلوك، وتزكية النفوس وتوجيهها نحو المثل الأعلى -فضلاً عن أنها حقائق ثابتة- وهي تعد من أعلى المعارف الإنسانية إن لم تكن أعلاها على الإطلاق.

وتهذيب سلوك الأفراد عن طريق غرس العقيدة الدينية هو أسلوب من أعظم الأساليب التربوية.

حيث إن للدين سلطانًا على القلوب والنفوس، وتأثيرًا على المشاعر والأحاسيس، ولا يكاد يدانيه في سلطانه وتأثيره شيء آخر من الوسائل التي ابتكرها العلماء، والحكماء، ورجال التربية.

فغرس العقيدة في النفوس، هو أمثل طريقة لإيجاد عناصر صالحة تستطيع أن تقوم بدورها كاملاً في الحياة، وتُسهم بنصيب كبير في تزويدها بما هو أنفع وأرشد.

إذ إن هذا اللون من التربية يُضفى على الحياة ثوب الجمال والكمال، ويظللها بظلال المحبة والسلام.

ومتى سادت المحبة ارتفعت الخصومة، وانقطع النزاع، وحل الوفاق محل الشقاق، وتقارب الناس، وتآلفوا، وسعى الفرد لخير الجماعة، وحرصت الجماعة على إصلاح الفرد وإسعاده.

ومن ثَمّ تظهر الحكمة واضحة من جعل الإيمان عامًا خالدًا، وفى أن الله لم يُخْل جيلاً من الأجيال، ولا أمة من الأمم، من رسول يدعو إلى هذا الإيمان وتعميق جذور هذه العقيدة.

وكثيرًا ما كانت تأتى هذه الدعوة بعد فساد الضمير الإنساني، وبعد أن تتحطم كل القيم العليا، ويظهر أن الإنسان أشد ما يكون حاجة إلى معجزة تعيده إلى فطرته السليمة؛ ليصلح لعمارة الأرض، وليقوى على حمل أمانة الحياة.

إن هذه العقيدة هي الروح لكل فرد، بها يحيا الحياة الطيبة، وبفقدها يموت الموت الروحي، وهي النور الذي إذا عمى عنه الإنسان، ضل في مسارب الحياة، وتاه في أودية الضلال؛ (أَوَمَنْ كَانَ ‌مَيْتًا ‌فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: 122).

إن العقيدة مصدر العواطف النبيلة، ومغرس المشاعر الطيبة، ومنبت الأحاسيس الشريفة؛ فما من فضيلة إلا تصدر عنها، ولا صالحة إلا ترد إليها.

والقرآن الكريم حينما يتحدث عن الصالحات، إنما يذكر العقيدة في طليعة أعمال البر كأصلٍ تتفرع عنه، وكأساس تقوم عليه، يقول الله سبحانه: (‌لَيْسَ ‌الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177).

الهوامش
  • 1 المصدر: من كتاب «العقائد الإسلامية»، ص 9 – 11.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة