لماذا نركض خلف قرارات الفيدرالي؟ فلسفة النقد وعقدة الفائدة ورؤية الإسلام البديلة
قرارات الفيدرالي.. كل تحرّك يُقدم
عليه البنك المركزي الأمريكي (الفيدرالي) برفع سعر الفائدة يهزّ أسواق العالم،
وتتبعه البنوك المركزية في الخليج والعالم العربي كأنها مرتبطة به بحبل سُرّي لا
فكاك منه.
ويمتد الخلل إلى
ما هو أعمق من أرقام التضخم وأسعار الفائدة إلى البنية الفكرية التي قام عليها
النظام النقدي المعاصر؛ حيث تحوّل النقد من مقياس للقيم ووسيط للتبادل إلى سلعة
تُباع وتُشترى، وصارت الفائدة هي المحرك القسري للاقتصاد العالمي كله.
وهم علاج التضخم بالفائدة
يتعامل التحليل
الاقتصادي التقليدي مع التضخم بوصفه ظاهرة نقدية محضة، خلاصتها أن فائضاً من
السيولة يطارد قِلّة من السلع، وبناءً على هذا التشخيص يُقدَّم رفع سعر الفائدة
علاجاً أساسياً، على اعتبار أن الفائدة سعر استخدام النقد، وتقوم هذه الآلية على
مسارين؛ الأول: امتصاص السيولة، إذ يُغري ارتفاع عوائد الودائع المؤسسات والأفراد
بتجميد أموالهم في البنوك بدل ضخها في الاقتصاد الحقيقي.
والثاني: رفع
كلفة الدَّين، فترتفع كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد فتتراجع التوسعات
الاستثمارية والإنفاق الاستهلاكي، غير أن هذه السياسة تحمل في طياتها تناقضاً
صريحاً؛ فرفع الفائدة يُحسب في المدى المتوسط تكلفةً إنتاجية يضيفها المصنِّع
والتاجر على السلعة النهائية فيما يُعرف بتضخم جانب التكلفة فينقلب رفع الفائدة من
أداة لكبح التضخم إلى وقود يغذيه، ويدفع الاقتصاد نحو الركود التضخمي بدل الخروج
منه.
قرارات الفيدرالي.. إكراهات التبعية للسيطرة الدولارية
تتبع البنوك
المركزية الخليجية وغالبية البنوك العربية معها بوصلة الفيدرالي وتنبع هذه التبعية
من ارتباط هيكلي عميق بالمنظومة النقدية العالمية تتحكم فيه أربعة عوامل جوهرية، فخمس
من دول مجلس التعاون الخليجي -السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعُمان- تربط
عملاتها بالدولار بسعر صرف ثابت فيما تعتمد الكويت ربطاً بسلة عملات يمثل فيها
الدولار الوزن الأكبر، وهذا الربط يصطدم بما يُعرف في الاقتصاد بقاعدة «ثلاثية
العملة المستحيلة» التي تعني أنه لا يمكن لدولة أن تجمع في آن واحد بين سعر صرف
ثابت، وحرية كاملة لحركة رؤوس الأموال، واستقلال في القرار النقدي؛ فمتى اختارت
دول الخليج الربط الثابت وحرية تدفق الأموال فقد تخلّت تلقائياً عن استقلالية
قرارها النقدي، وباتت شبه مضطرة لمحاكاة الفيدرالي.
يضاف إلى ذلك أن
أي تباين بين الفائدة الأمريكية والفائدة الخليجية يفتح باب ما يُعرف بمراجحة
أسعار الفائدة ،فحين يرفع الفيدرالي فائدته بينما تُبقي البنوك الخليجية فائدتها
منخفضة نسبياً يصبح إيداع الأموال بالدولار أو شراء سندات وأدوات دين أمريكية أكثر
ربحية من الاحتفاظ بالأموال بالعملة المحلية أو استثمارها فيها، وأمام هذا الفارق
تتحرك رؤوس الأموال الساخنة وتنتقل بسرعة بين الأسواق بحثاً عن أعلى عائد ممكن
فتخرج من الأسواق الخليجية إلى الأصول الدولارية سعياً وراء هذا الفارق في العائد،
ولهذا الخروج أثران مباشران، الأول انكماش السيولة المحلية المتاحة للإقراض
والاستثمار داخل الاقتصاد الخليجي نفسه، والثاني ضغط على الطلب على العملة المحلية
مقابل الدولار مما يهدد استمرار سعر الصرف الثابت الذي تقوم عليه سياسة الربط
أصلاً.
وهذا يفرض على
البنك المركزي المحلي إما استنزاف احتياطياته من الدولار للتدخل في السوق، وإما
رفع فائدته هو الآخر ليقفل هذا الفارق ويوقف نزيف الأموال الساخنة، وهو ما يعيد
البنوك الخليجية عملياً إلى محاكاة الفيدرالي وإن لم ترغب في ذلك، كما أن أكثر من
80% من الصادرات الخليجية وعلى رأسها النفط والغاز تُسعَّر بالدولار وتحتفظ البنوك
المركزية بجزء كبير من احتياطياتها به، فمواءمة الفائدة تُبقي أسعار الصرف مستقرة
وتحول دون اختلالات حادة في السيولة المحلية.
المقاربة الإسلامية
تنطلق المقاربة
الإسلامية من رؤية مغايرة تماماً وذلك لطبيعة النقد ذاته، وتقوم على بُعدين
متكاملين، البُعد الأول وظيفي فالنقد في التصور الإسلامي معيارٌ لقياس القيم
ووسيلةٌ للتبادل تُستمد قيمته من الاصطلاح والقبول العام، يصف ابن خلدون في
المقدمة هذه الوظيفة بقوله: «إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة
قيمة لكل متمول، وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب»، مقرراً أن استقرار
قيمة النقد هو ما يؤهله لأداء هذه الوظيفة، وأن أي عبث بهذا الاستقرار يمس صلاحية
النقد نفسه كمعيار للأموال.
ويصل الغزالي هذا
الوصف بحكمه الشرعي حين يقول في «الإحياء»: «كل من عامل معاملة الربا على الدراهم
والدنانير فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما، إذ لا غرض في
عينيهما»، ويزيد ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» المعنى تحديداً؛ إذ يقرر أن «المقصود
من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا
يُقصد الانتفاع بعينها»، وأن «الدراهم والدنانير لا تُقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى
التعامل بها».
أما البُعد
الثاني فأخلاقي - تشريعي يحكم مشروعية الربح ذاته، وتختصره قاعدة الخراج بالضمان
المستمدة من الحديث النبوي الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل اشترى
عبداً فاستغلّه ثم ظهر فيه عيب فرده بأن يحتفظ بما استغله منه، لأنه كان ضامناً
لهلاكه لو هلك عنده، فالقاعدة تربط استحقاق الغُنم بتحمّل الغُرم وتجعل الربح
مشروطاً بمخاطرة حقيقية يتحملها صاحب المال، وهذا بعينه ما تقوم عليه عقود
المشاركة والمضاربة حيث يتقاسم الشريكان الربح والخسارة معاً، أما الفائدة فتثبت
للدائن عائداً مضموناً مسبقاً أياً كانت نتيجة المشروع الذي موّله ربحاً أو خسارة،
فتنفصل عن كل مخاطرة حقيقية وتتراكم عبئاً على الاقتصاد الحقيقي بصرف النظر عما
ينتجه فعلاً.
ويصل القرآن
الكريم هذا المعنى إلى غايته حين يختم آية الربا بقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (البقرة: 179)، فيقيم
تناظراً دقيقاً بين الطرفين؛ يستوفي الدائن رأس ماله دون زيادة تظلم المدين، ويفي
المدين بحقه في وقته دون مطل يظلم الدائن، بحيث يتحمل كل منهما قدره من نتيجة
الزمن والسوق، وهو التناظر ذاته الذي تكسره الفائدة حين تُحمّل طرفاً واحداً كل
المخاطرة وتُعفي الآخر منها كلياً، ومن هذين البُعدين معاً تفهم رؤية الإسلام لجذر التضخم تضخّم في
السيولة المالية دون أن يقابلها إنتاج فعلي ناتج عن معاملة النقد كسلعةً تُنتج
عائداً من ذاتها بمعزل عن أي نشاط اقتصادي حقيقي يسنده.
وتقوم منظومة
الفكر الإسلامي لكبح التضخم على مجموعة من القواعد الاقتصادية المتكاملة، لكل منها
أداتها العملية المقابلة، فمن قاعدة ربط النقد بالنشاط الاقتصادي الحقيقي ومبدأ
المشاركة في الربح والخسارة، تُشتق عقود المشاركة والمضاربة والاستصناع والمرابحة
وأمثالها التي تحصر حركة النقد بحركة موازية لها من سلع أو خدمات أو أصول حقيقية، ومن
تحريم الربا وتوصيف النقد وظيفياً معياراً للقيم ووسيلةً للتبادل، تُشتق الصكوك
الإسلامية كأدوات تمويل تربط بين التمويل والأصول الحقيقية بديلاً عن سندات الدين
ذات الفائدة الثابتة، وأيضا لسحب السيولة الزائدة من السوق دون توليد التزامات
ربوية جديدة، ومن قاعدة منع اكتناز المال وتعطيله تقوم فريضة الزكاة بفرض 2.5% على
السيولة المحبوسة، هذا الإجراء يُشكّل ضغطاً اقتصاديًا يُجبر صاحب المال على
توجيهه نحو استثمارات إنتاجية حقيقية بدلاً من تجميده؛ ما يزيد من جانب العرض
السلعي ويحقق توازناً استثمارياً في الأسعار.
ومن قاعدة
استقرار قيمة النقد يمتلك البنك المركزي في الاقتصاد الإسلامي أدوات التحكم في
السيولة وصلاحيات تنظيمية مباشرة تُغنيه عن اللجوء إلى الفائدة، مثل تعديل نسبة
الاحتياطي النقدي الإجباري وأحكام قبضته على حجم السيولة في السوق من خلال رفع
نسبة الودائع التي يجب على المصارف تجميدها لديه مما يقلل فوراً من قدرة البنوك
على توليد التمويلات وزيادة السيولة بالسوق، وأيضاً إدارة السقوف الائتمانية
الموجهة بفرض ضوابط هيكلية على حركة التمويل، تجفف منابع السيولة عن المضاربات
الهامشية والأنشطة الاستهلاكية غير المنتجة، وتُوجّه التدفقات المالية حتمياً نحو
القطاعات الإنتاجية والتنموية فتتحقق حماية الاقتصاد من التضخم بالتوازي مع دعم
نموه الحقيقي.
إن اللجوء
المتكرر إلى رفع الفائدة لمواجهة التضخم أشبه بمن يطفئ الحريق بالوقود؛ يعالج
عرضاً بخلق أزمة أخرى من الركود وتراكم الديون، أما البديل الذي يطرحه الاقتصاد
الإسلامي فأنموذج نقدي واستثماري متكامل، يتجاوز كونه مجموعة أحكام فقهية منعزلة
ليُعيد للنقد وظيفته الفطرية ويربط النمو المالي بالإنتاج الحقيقي ربطاً لا انفكاك
عنه، وهذا هو الضمان الحقيقي لاستقرار يحفظ للناس معاشهم وكرامتهم، ويحقق عدلاً في
توزيع الثروة لا تبلغه سياسة فائدة مهما ارتفعت أو انخفضت.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً