إبراهيم عليه السلام.. مؤسس أصول الحوار
الحوار وسيلة
رئيسة من وسائل تبليغ الدعوة إلى الله، ولكن كثيراً من الدعاة تنقصهم معرفة أصول
الحوار وآدابه، وقد بيَّن الله تعالى هذه الأصول والآداب من خلال سيرة أبي
الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وحواره المتكرر مع والده وقومه، وهو بحق مؤسس
علم الحوار.
وما أحرى الدعاة
باستلهام هذه الأصول والآداب من خلال سيرته التي وثقها القرآن الكريم، لقد برز في
قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فن الحوار مع قومه، حتى غدت حواراته أساساً لمن
أراد التعلُّم لفنون الدعوة إلى الله تعالى، وإذا أردنا أن نرسم أصول هذا الحوار،
فإنه يبدأ بما يأتي:
أولاً: الإيمان:
فلا يستطيع
إنسان أن يتغلب على خصمه في الحوار ما لم يؤمن هو أولاً بالموضوع الذي يتحاور فيه،
وكان سيدنا إبراهيم مؤمناً بقضية التوحيد وإفراد العبودية لله إيماناً مطلقاً، حيث
قال الله تعالى عنه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً
لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120).
ويقول سيد قطب
في رسالته «أفراح الروح»: «آمن أنت أولاً بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الحار،
عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون».
ثانياً: إخلاص النية:
فالمحاور الذي
يريد الشهرة، وزيادة المتابعين، وأن يكون مركز الاهتمام إعلامياً واجتماعياً، لن
يوفقه الله أبداً في حواراته؛ فقد جاء في سنن الترمذي بإسناد حسن قول النبي صلى
الله عليه وسلم: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ
لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ،
أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ»، أما إبراهيم عليه السلام، فقد قال الله تعالى عنه: (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84).
وقال الإمام ابن القيم: «القلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح،
والكبر، وحب الدنيا والرئاسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة
تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل
قاطع يقطعه عن الله».
ثالثاً: العلم:
فالإخلاص
والإيمان لا يكفيان لنجاح الحوار؛ إذ إن العلم بمسألة الحوار الأساس، فالحماسة
الكبيرة، مع النية الحسنة والإيمان، لن تغني في قضية الحوار الناجح.
ولهذا كان العلم
بارزاً في شخصية سيدنا إبراهيم، حيث قال تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا
إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام: 83).
فلا يجوز أن
يأتي المحاور إلى الحوار وهو غير ملم بموضوعه من جميع جوانبه، أو غير مستعد بالحجج
الدامغة على صحة حجته؛ فيكون سبباً في استهزاء أهل الباطل بأهل الحق، لضعف حججهم
في مقارعة الباطل البيِّن.
رابعاً: التلطف بالطرف الآخر:
وهذا واضح في
حوارات ومناظرات سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومه، ومن ذلك تلطفه في حواره مع والده،
إذ قال تعالى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ
تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً {42} يَا
أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي
أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) (مريم).
ويقول الإمام
الزمخشري: «انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطاً فيه من الخطأ
العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء، وانسلخ عن قضية التمييز، كيف
رتَّب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف
والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن».
ومما يؤسف له أن
الغالب على جلسات الحوار، سواء في القضايا الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية،
هو السب، والشتائم، والانفعال، والقذف، والاتهامات، ورفع الصوت، فالحوار عندما
تعلوه النبرة الأخلاقية، والتلطف مع الطرف الآخر، يترك أثراً إيجابياً، إما في
حينه وإما بعد حين.
خامساً: البدء بالسؤال:
ومن ذلك قوله
لأبيه وقومه، كما جاء في سورة الأنبياء: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ
التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء: 52)؛ لقد كان يريد أن يسمع إجابتهم، وهو يعلمها مسبقاً،
ولكن كانت وراء ذلك غايات، منها:
1- تثبيت
إجاباتهم وضلالهم؛ حتى لا يتهموه بالتقول عليهم.
2- اكتشاف حقيقة
معتقدهم، وعدم الاكتفاء بما يُسمع عنهم.
3- إظهار ضعفهم
وخطئهم أمام الناس.
وفي هدي نبينا صلى
الله عليه وسلم الكثير من هذا الأسلوب في حواره مع أصحابه، لتثبيت بعض أمور
العقيدة، وإثارة الانتباه، وزيادة التركيز والتفاعل، ومن ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم: «أتدرون ما المفلس؟»، «هل تدرون أين تذهب هذه الشمس؟»، «أرأيتم لو أن نهراً
بباب أحدكم..»، «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا؟».
سادساً: الخطاب العقلي والمنطقي:
وهو التركيز على
ما تتفق عليه العقول، على سبيل المثال: الخالق يخلق والمخلوق لا يخلق.. لكل سبب
مسبب.. لكل حركة محرك.. لكل موجود مُوجِد.
وقد اعتمد
إبراهيم عليه السلام هذا الأسلوب كثيراً في حواراته مع والده وقومه، ومن ذلك قوله
تعالى: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا
بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ {62} قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا
فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ {63} فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ
فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ {64} ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ
لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ {65} قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ) (الأنبياء).
سابعاً: التدرج:
وهذا واضح في
سورة «الأنعام»: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ
أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
{74} وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ {75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى
كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ {76}
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ {77}
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا
أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {78} إِنِّي
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا
أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام)، فقد كان يريد أن يوصل إليهم مفهوم أن الإله لا يزول
ولا يأفل.
بدأ بما يؤمنون
به من آلهة، وهو الكوكب، فقال: (هَـذَا رَبِّي)، فلما أفل قال: (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ)، ثم انتقل إلى القمر، فقال: (هَـذَا رَبِّي)، فلما أفل رفض أن يكون إلهاً؛ لأن الإله لا يزول، ثم
انتقل إلى الشمس، وهي أعظم مما كانوا يرونه، فلما أفلت أراد أن يبرهن لهم بالتدرج
أن أعظم المخلوقات تزول، ثم أعلنها صريحة مدوية بعقيدة التوحيد، فقال: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ {78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
إن أسلوب التدرج
مع المدعوين في الحوار، الذي أسسه أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم، نقله إلينا سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف.
ومن ذلك ما جاء
في صحيح البخاري في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما بعثه إلى اليمن داعية
ومعلماً، حيث ركز على انتهاج أسلوب التدرج في الدعوة، فقال: «إنك ستأتي قوماً أهل
كتاب، فإذا جئتهم: فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم
وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من
أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق
دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
ونسأل الله أن
يوفق كل مخلص في تبليغ دعوة الله إلى العالمين، وأن يلهمنا الصدق، والإخلاص،
والعلم، والحكمة، والعمل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً