ماذا تعرف عن صيام التطوع؟

د. رمضان أبو علي

16 ديسمبر 2025

622

روى البخاري عَنْ ‌عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي ‌أَبِي ‌امْرَأَةً ‌ذَاتَ ‌حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «الْقَنِي بِهِ»، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟»، قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟»، قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: «صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ»، قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا»، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ، صَوْمَ دَاوُدَ، صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً»، فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

في هذا الحديث دليل على الاهتمام بصيام التطوع، فهو عبادة خفية لا يراها الناس، بل يؤديها المسلم حبا واختياراً، لا فرضاً وإجباراً.

معنى صيام التطوع وفضله

التطوع هو التقرب ‌إلى ‌الله ‌تعالى ‌بما ‌ليس ‌بفرض ‌من ‌العبادات(1)، وصيام التطوع هو ما يتقرب به إلى الله تعالى ‌بما ‌ليس ‌بفرض ‌من ‌الصوم(2).

أما فضله، فقد روى البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «‌مَنْ ‌صَامَ ‌يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».

وفي صحيح مسلم عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ‌إِلَّا ‌الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».

وقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عز وجل عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ‌ويدخله ‌بالصوم ‌الجنة(3).

حكمة ‌مشروعية ‌صيام ‌التطوع وأنواعه

صوم التطوع فيه ثواب عظيم، وزيادة في الأجر، وجبر لما يحصل في الصيام الواجب من نقص أو خلل، وثمرة الصيام حصول التقوى، وفي صيام التطوع حفظ جوارح المسلم من الآثام على مدار العام، والتقرب إلى الله بما يحب(4).

والتطوع ثلاثة أنواع: سُنة ومستحب ونافلة.

فالسُّنة: صيام يوم عاشوراء وهو عاشر المحرم، وقيل: التاسع.

‌والمستحب: ‌صيام ‌الأشهر ‌الحرم وشعبان والعشر الأول من ذي الحجة ويوم عرفة وستة أيام من شوال وثلاثة أيام من كل شهر ويوم الإثنين والخميس.

والنافلة: كل صوم لغير وقت ولا سبب في غير الأيام التي يجب أو يمنع(5).

وهناك تقسيم آخر لأنواع صيام التطوع، وهو:

1- ما ‌يتكرر ‌بتكرر ‌الأيام كصوم يوم وفطر يوم.

2- ما يتكرر بتكرر الأسابيع، وهو صوم يوم الإثنين.

3- ما يتكرر بتكرر الشهور، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

4- ما يتكرر بتكرر السنين، وهو صيام يوم عرفة، والعاشر من محرم، وست من شوال، وتسع ذي الحجة، وصوم أكثر شهر الله المحرم، وصوم أكثر شعبان(6).

حكم تبييت النية في صيام التطوع

لا بد لصيام التطوع من نية، لكنه يختلف عن صيام الفريضة في وجوب تبييت النية في الفريضة، أما التطوع فقد ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يشترط ‌تبييت ‌النية ‌في ‌صوم ‌التطوع، لما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»، فقلنا: لا، فقال: «فإني إذاً صائم»(7).

فالنية في صوم التطوع تصح في الصباح قبل الزوال في قول الجمهور، وذهب الحنابلة إلى امتداد وقت النية إلى ما بعد الزوال؛ لأن النية وجدت في جزء النهار، فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة، ويشترط لصحة نية النفل في النهار: ألا يكون فعل ما يفطره قبل النية، فإن فعل فلا يجزئه الصوم حينئذ(8).

أفضل صيام التطوع

أفضل الصيام صيام يوم وإفطار يوم، وهو صيام داود عليه السلام(9)؛ ‌وذلك لما رواه البخاري، ومسلم، عن عَبْداللهِ بْن عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ ‌الصِّيَامِ ‌إِلَى ‌اللهِ ‌صِيَامُ ‌دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ».

هل يجوز الفطر قبل تمام اليوم لمن صام متطوعاً؟

ذهب الحنفية والمالكية إلى لزوم صوم التطوع بالشروع فيه، وأنه يجب على الصائم المتطوع إتمامه إذا بدأ فيه، لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، ‌فَإِنْ ‌كَانَ ‌صَائِمًا ‌فَلْيصل، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».

وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم لزوم صوم التطوع بالشروع فيه، ولا يجب على الصائم تطوعاً إتمامه إذا بدأ فيه، وله قطعه في أي وقت شاء، لما رواه النسائي، وأحمد، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصَّائِمُ ‌الْمُتَطَوِّعُ ‌أَمِيرُ ‌نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (حديث ضعيف)(10).

هل يجب على من صام تطوعاً ثم أفطر أن يقضي ذلك اليوم؟

الحكم هنا مبني على ما سبق من خلاف بين الفقهاء، فمن منع الفطر أوجب القضاء، ومن أجازه لم يوجب القضاء، ففي الموسوعة الفقهية: ذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب قضاء صوم التطوع عند إفساده؛ لأن ما أتى به قربة، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإفساد لقوله تعالى: (‌وَلَا ‌تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 33).

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجب القضاء على من أفسد صوم التطوع، لأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، لكن يندب له القضاء، سواء أفسد صوم التطوع بعذر أم بغير عذر، خروجاً من خلاف من أوجب قضاءه.

___________________

الهوامش:


(1) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 205).

(2) وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه: ابن قدامة (2/ 207).

(3) السنن الكبرى: البيهقي (4/ 455).

(4) موسوعة الفقه الإسلامي: التويجري (3/ 188).

(5) القوانين الفقهية: ابن جزي، ص 78.

(6) موسوعة الفقه الإسلامي: التويجري (3/ 189).

(7) الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 87).

(8) شرح الخرشي على مختصر خليل (2 / 246).

(9) الممتع في شرح المقنع (2/ 44).

(10) الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 97).

(11) المرجع السابق (28/ 99).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة