ماذا تعرف عن كتَّاب السيرة النبوية؟
لم توضع كتب تحت
المجهر من قبل الأعداء أو المحبين مثلما وضعت الكتب الشرعية الإسلامية وكتب
المصادر، وذلك فيما يخص كتابها وأصلها وكيف وصلت إلينا وحفظت حتى اليوم، ولم يتلق
دين هجوماً مثلما تلقى الإسلام في محاولات للنيل منه أو التشكيك في نصوصه أو سيرة
نبيه وأحاديثه الشريفة، ومع كل تلك المحاولات التي قام بها من يسمون بالمفكرين
والباحثين، إلا أن جميعها قد باءت بالفشل.
ومن تلك
المحاولات محاولة التشكيك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونكران بعض أحداثها،
ومن هنا كان الاهتمام بالسيرة قديماً وحديثاً، والعرض لتاريخ كتابتها لقطع الطريق
على كل من يحاول نكران بعضها أو التقليل من شأنه، فهي من جملة الدين الذي تعهد
الله عز وجل بحفظه.
لماذا سجل المسلمون سيرة النبي؟
لم تهتم أمة في
التاريخ بدراسة واستذكار شخصية نبيها كما اهتمت الأمة الإسلامية بحياة نبيها صلى
الله عليه وسلم، وذلك لأن حياته ليست حياة إنسان عادي، وإنما هي الأسوة التي أرشد
الله عز وجل عباده إليها ليكون حجة على العالمين، فقال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21)، وحياته نفسها ليست ملكاً للأمة
وحدها، وإنما للعالمين الذين أرسل إليهم برسالته.
ولم يهتم
الباحثون فقط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم الواضحة للناس، وإنما اهتموا بناقل
هذه السيرة وكاتبها ومصداقيته في النقل، وفي هذا المقال نعرض لأول من كتب السيرة
النبوية لنعرف من هم، وكيف حفظ الله تاريخ النبوة بهم:
1- أبان بن عثمان (ت 105هـ)(1):
ولد أبان في 20هـ،
ونشأ في بيت أبيه الخليفة عثمان بن عفان الخليفة رضي الله عنه، حيث الصلاح والطهر
والتقى، وتعلم العلم حتى صار من كبار علماء المدينة وفقهائها.
وكان من أعلام
الحديث، وقد روى عن أبيه عثمان وعن غيره من كبار الصحابة، وأخذ عنه كبار العلماء
مثل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، وقال عنه الليث
بن سعد: «كان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها عن
أبان بن عثمان»(2).
وإن تاريخ أبان يؤكد
أستاذيته في المغازي والسير، لا سيما، ولعل ابتعاد أبان عن العمل بالسياسة انشغاله
بالعلم؛ دراسة وتدريساً، وإذا كانت جل مؤلفاته قد ضاعت، فقد بقيت لنا رواياته
وآراؤه في المصادر التي وصلتنا بروايات تلاميذه(3).
2- عروة بن الزبير (ت 94هـ):
أبوه هو الزبير
بن العوام بن خويلد، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، وهو حواري
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفية بنت عبدالمطلب، وعمته خديجة أم
المؤمنين رضي الله عنها(4)، وأمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، وخالته أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها(5).
ولد عروة في
المدينة المنورة عام 26هـ، على أرجح الأقوال(6)، وكانت معلمته عائشة رضي الله عنها
خالته ومربيته، وقد شهد وهو حدث صغير أحداث الفتنة الكبرى بين المسلمين وزلزلتهم
في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان، وفي خلافة علي بن أبي طالب، وشهد «عام
الجماعة» حين تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان إيثاراً لمصلحة
المسلمين.
في هذه الفترة
انتشرت حلقات العلم بالمسجد النبوي، وكان عروة بن الزبير فارساً من فرسانها، فكان
له أساتذة ثم أصبح له طلاب.
ألَّف العديد من
الكتب، واشتهر بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار، فقد اشتهر بأنه من أكابر
علماء السير والمغازي، وكان الناس يتجهون إليه، ليسألوه ويتعلموا منه السيرة
النبوية بصفة خاصة، لقربه من بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
فعبدالملك بن
مروان الخليفة الأموي (65 - 86هـ) على الرغم من علمه وفقهه وانكبابه على حلقات
العلم، فإنه كان كثير الرجوع إليه في كل ما يتعلق بأحداث السيرة النبوية، وذلك،
عندما شغلته السياسة عن طلب العلم بعد أن أصبح خليفة(7).
وقد روى ابن سعد أنه «يوم الحرة» وأثناء ثورة المدينة على الخليفة يزيد بن معاوية، قام عروة بحرق بعض كتبه ثم حزن بعد ذلك على إقدامه على ذلك؛ ما يدل على فقدان بعضها وعدم وصولها إلينا، لكن المصادر الباقية قد حفظت الكثير من المادة العلمية والروايات التي كان مصدرها عروة، ففي سيرة ابن إسحاق، ومغازي الواقدي، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري روايات كثيرة من أحداث سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه عن عروة بن الزبير.