ماذا تعرف عن كتَّاب السيرة النبوية؟ (2)

عزة مختار

12 يناير 2026

127

السيرة النبوية المطهرة كتبت ضمن الأحاديث النبوية الشريفة، فمنها من كتب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما كتب بعد مماته على يد المحدثين من الصحابة.

وما نقصده في تلك السلسلة القصيرة كتابة السيرة بشكل مستقل، وقد كان مصدرها المباشر أبناء الصحابة الذين تلقوها مباشرة من آبائهم الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم وطبقوا ما سمعوه.

وقسم العلماء كتاب السيرة النبوية إلى طبقات (والطبقة هم جماعة تقاربوا في السن، واجتمعوا في لقاء الشيوخ)(1)، وقسم العلماء كتاب السير والمغازي إلى 3 طبقات، بدأت بالطبقة الأولى منهم بالذين عاصروا الصحابة بشكل مباشر وهم أربعة، قدمنا لاثنين منهم في المقال الأول، وهو أبان بن عثمان بن عفان، ثم عروة ابن الزبير بن العوام.

ونستكمل في هذا المقال الكاتب الثالث والرابع، ونعرض معهما بعض كتاب الطبقة الثانية والثالثة.

كتاب السيرة النبوية:

3- شرحبيل بن سعد (ت 123هـ):

هو ثالث الكتَّاب الأربعة من الطبقة الأولى، وثالث الثلاثة المدنيين الذين كتبوا السيرة من الطبقة الأولى، يقول د. عبدالشافي محمد عبداللطيف: هو مولى بني خطمة، نشأ في المدينة، وتلقى عن جمع من الصحابة؛ منهم زيد بن ثابت وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم من كبار الصحابة(2).

وقد روى عن سفيان بن عيينة أن شرحبيل بن سعد لم يكن أعلم بالمغازي وأهل بدر منه(3)، وبرهن موسى بن عقبة أن شرحبيل دوَّن قوائم بأسماء المهاجرين إلى المدينة، وأسماء الرجال الذين اشتركوا في غزوتي «بدر» و«أُحد»(4)، وقد امتد العمر بشرحبيل؛ حيث توفي عام 123هـ.

4- وهبة بن منبه (ت 110هــ):

يعتبر وهب بن منبه من رجال الطبقة الأولى في كتَّاب السير، غير أنه ليس مدني الأصل، وإنما يرجع أصل ميلاده إلى اليمن، وفي مدينة صنعاء على وجه الخصوص، في قرية يقال لها «ذمار»(5)، سنة 34هـ(6).

واختلف المؤرخون حول نسبه بدقة وعن أصله، فمنهم من رأى أنه من أهل الكتاب، وتحديداً من أصل يهودي، لكن الأرجح أنه من أصل فارسي(7)، أي أنه كان ينتمي إلى الفرس الذين سكنوا اليمن أثناء سيطرة دولة الفرس عليهم وسموا بالأبناء، وخلاصة القول في نشأته أنه تربى ونشأ في حضن أسرة مسلمة، كان معظمهم من أهل العلم واشتغلوا به، حيث كانوا أهل ثقة عند العلماء(8).

ولتأثره بالجو العلمي الذي أحاط بنشأته، فقد روى عن مجموعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبدالله.. وغيرهم.

وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير «وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام بن منبه، وكان ثقة واسع العلم»(9)، ويعتبر وهب بن منبه من العلماء الموسوعيين الذين يملكون الكثير من العلم وعميقه في مجالات شتى وليس فقط في مجال المغازي والسير.

وأما رواياته في قصص الأنبياء فحولها بعض التشكيك، وقال بعض العلماء: إن رواياته عن الأنبياء يجب أن تؤخذ بحذر، لعلمه الكثير بـ«الإسرائيليات» وخلطها برواياته، والحقيقة أنه برع في كتابة السيرة النبوية كي يضعه العلماء ويصنفونه في رجال الطبقة الأولى من كتابها.

وفي مدينة هيدلبرج في ألمانيا مجموعة من البرديات، يرجح أنه يحتوي على قطعة من كتاب المغازي والسير لوهب بن منبه، وتاريخ هذه القطعة عام 228هـ، وفيها معلومات عن بيعة العقبة الكبرى، وحديث قريش في دار الندوة حيث قرروا قتل النبي صلى الله عليه وسلم(10).

أهم رجال الطبقة الثانية من الكتَّاب الأوائل للسيرة النبوية

وليست هناك فواصل زمنية بين رجال كل طبقة والطبقة التي تليها، فقد كان رجال الطبقة الثانية يعملون أثناء عمل الطبقة الأولى، ويشتركون معهم في فترة زمنية من التدوين.

فمن رجال الطبقة الثانية من كان عظيم الشهرة والمكانة العلمية في المدينة في مجال السيرة النبوية، ولا يقل أهمية عن رجال الطبقة الأولى الذين تعاملوا مباشرة مع الصحابة ومن عاصروه وشاركوه مغازيه صلى الله عليه وسلم.

وبعض رجال تلك الطبقة قد أخذوا علمهم عن رجال الطبقة الأولى مثلما روى ابن إسحاق عن نافع مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب، وعن عاصم بن قتادة الأنصاري على سبيل المثال لا الحصر.

ونشير هنا لبعض أسماء هذه الطبقة لنعلم جميعاً أن السيرة المطهرة لم تصل إلينا تأليفاً، بل نقلاً صادقاً من مصادرها الأساسية حتى لا يتشكك من بقلبه مرض.

ومن أهم رجال هذه المرحلة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124هـ)، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم(11)، ومنهم عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (ت 135هـ)، وهو مدني وكان جده الأعلى عمرو بن حزم أحد الصحابة(12)، ومنهم عاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ)، من رجال الطبقة الثانية البارزين وجده قتادة بن النعمان الظفري الأنصاري كان من الصحابة وشهد «بدراً» وأُحداً(13).

اقرأ أيضا

ماذا تعرف عن كتاب السيرة النبوية(1)

لماذا نقرأ التاريخ

هكذا كتب التاريخ

_________________

الهوامش











.



الهوامش
  • 1 (1) أوائل المؤلفين في السيرة النبوية للدكتور عبدالشافي محمد عبداللطيف، ص 44.
  • 2 (2) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج7، ص304.
  • 3 (3) عبدالشافي محمد عبداللطيف، ص 54.
  • 4 (4) يوسف هوروفتس: المغازي الأولى ومؤلفوها، ص42، عبد الشافي، ص54.
  • 5 (5) المرجع السابق.
  • 6 (6) البخاري: التاريخ الكبير، ج8، ص 164.
  • 7 (7) عبدالشافي، هذا القول هو للإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري، البخاري: في التاريخ الكبير، ج8، ص164، ابن أبي خيثمة: التاريخ الكبير، ج1، ص318.
  • 8 (8) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج8، ص102، 103، الذهبي: تذكرة الحفاظ ج1، ص77، 78.
  • 9 (9) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج1، ص 78، بتصرف.
  • 10 (10) يوسف هوروفتس.
  • 11 (11) ابن قتيبة: المعارف، ص70
  • 12 (12) ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص1172.
  • 13 (13) سيرة ابن اسحاق، ص 308.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة