ماذا تفعل رموز الرعب في سورية؟!

ماذا تفعل رموز الرعب في سورية؟!

كثيرًا ما يتردد في الصحافة المحلية والعربية ذكر الأحداث التي تدور في القطر السوري الشقيق، وكثيرًا ما ينقل المسافرون القادمون من سورية الشقيقة صورًا وحكايات ومآسي تقوم بفعلها سرايا الدفاع التي يقودها رفعت أسد والقوات الخاصة التي يقودها علي حيدر والمخابرات التي يديرها العميد علي دوبا.. وقد صارت هذه الفرق الثلاث رموزًا للرعب في كل حي وقرية ومدينة كما يقول من زار القطر السوري الشقيق.

حيث تحتل مفارزها مداخل المدن والأحياء الرئيسية على شكل حواجز مهمتها تفتيش المارة والسيارات المتنقلة من حي إلى حي ومن مدينة إلى مدينة.. ويبدو أن هذه الفرق المسلحة صارت مخولة بالاعتقال على الشبهة كما ورد في تقرير لجنة المحلفين الدولية الذي تناقلته وكالات الأنباء يوم 9/ 7/ 1980م.

في الوقت الذي أشارت فيه مصادر موثوقة إلى أن سجون سورية ومقرات الاحتجاز الدائم والمؤقت تغص الآن بالمدنيين على اختلاف طبقاتهم والعسكريين على اختلاف رتبهم.. وقد أشارت هذه المصادر إلى أن دفعة عسكرية قوامها عشرون ضابطًا من ضباط المدفعية والرادارات والطيران قد تم اعتقالها يوم 6/ 6/ 1980م وتجدر الإشارة هنا إلى أن اكتظاظ السجون والمعتقلات بالناس دعا السلطات في سورية إلى بناء المزيد من السجون ومنها على سبيل المثال السجن الجديد الذي يشاد حاليًّا قرب دمشق على طريق الكسوة بالقرب من مصنع بردي للبرادات، وإزاء هذه الأوضاع الغريبة، تتناقل وكالات الأنباء والصحافة الدولية والعربية بين الحين والآخر قصصًا وحكايات مروعة مما يحصل في سورية الحبيبة على يد سرايا الدفاع والقوات الخاصة ورجال المخابرات. ومن ذلك:

أولاً: اختراق حرمة المساجد:

ولم يعد للمساجد حرمة في دمشق والمحافظات السورية الأخرى، ففضلًا عما يرويه المسافرون من حكايات تقشعر لها الأبدان أذاعت إحدى محطات الإذاعة في الجمهورية العراقية مساء يوم الإثنين 22/ 7/ 1980م خبرًا مفاده أن عملية عدوان غاشمة على بيوت الله في مدينة دمشق حصلت في يوم 2/ 6/ 1980م، حيث قام بالعدوان على المساجد مدير المخابرات العسكرية على دوبا تعاونه وحدات من سرايا الدفاع والوحدات الخاصة، بالإضافة إلى عناصر من المخابرات بعد أن تم فرز العناصر واستبعد كل من هو سني المذهب، وقد بدأ الحادث عندما قامت المخابرات باستطلاع للأهداف «الجوامع» في الساعة الحادية عشرة ليلًا ثم دوهمت المساجد كلها في الساعة الواحدة من الليلة نفسها، واستمر الأمر حتى الساعة الثانية والنصف.

صور ومآسٍ مما يحدث داخل سورية على أيدي قوات النظام

حيث تم اعتقال بعض المصلين الذي بدأوا بالتوافد على المساجد لأداء صلاة الفجر، كما اعتقل الطلاب الذين كانوا يدرسون في المساجد استعدادًا للامتحان، وقد كسر أعوان على دوبا أبواب المساجد واستباحوا محتوياتها من كتب ومسجلات وسجاجيد.. وقد قتل بعض الأبرياء، أثناء هذا الحادث المؤلم.

وفي تلك الليلة تم اعتقال الشيخ عبد الرحمن المجذوب وولديه. ولما عوتب المسؤولون في المحكمة السورية من قبل ثلة من علماء المدينة على ما حصل جاء الجواب الرسمي بأن هذا العمل قد سبق إليه الحجاج الثقفي إذ هدم الكعبة!!


مشروع عودة مليون سوري من تركيا.. الدوافع والمتطلبات والمآلات |  Mugtama
مشروع عودة مليون سوري من تركيا.. الدوافع والمتطلبات والمآلات | Mugtama
الإعداد لمشروع يعود من خلاله مليون سوري مقيم على الأراضي التركية إلى سورية
mugtama.com
×


ثانيًا: الإساءة إلى العلماء:

أما العلماء فحظهم سيئ جدًّا مع رجال المخابرات وسرايا الدفاع والقوات الخاصة، فما من عالم إلا وقد تعرض للإساءة على حد ما ينقل المسافرون من أخبار سواء كان ذلك في مواقف التفتيش عند الحواجز التي تملأ شوارع المدن ومداخلها، أم أثناء حملات تفتيش المساجد وتمشيط البيوت، كما يقول المسافرون إن هذه الإساءات توجه للسادة العلماء وأئمة المساجد بأوامر من رفعت أسد نفسه وهذا أمر واقع.

ففي حماة تعرض الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد طهماز مدرس وخطيب جامع السلطان –وهو أكبر جامع في المدينة– إلى أشد أنواع الإهانات والتعذيب إذا اجتمع عليه ما ينوف عن عشرة من رجال القوات الخاصة وأخذوا يضربونه بالكرباج وأعقاب البنادق، ويركلونه بأحذيتهم وهو فاقد الوعي.

وفي مدينة حلب.. اعتقل إمام جامع السبيل الشيخ محمد جميل عطار وعُذِّب عذابًا شديدًا، وأحرقت لحيته، وأطفئت السجائر في وجهه، وأهين كثيرًا، وأمر بأن يدوس على كتاب الله فرفض ذلك، فضربوه ضربًا مبرحًا أفقده الوعي، هكذا يعملون وما زالوا مستمرين في بغيهم ووحشيتهم.

ثالثًا: انتهاك الأعراض:

وهذه صورة بشعة من صور كثيرة مخزية تواتر الحديث عنها، فقد نقلت الأخبار وجاء في مجلة النذير أن عشرين من نساء المسلمين وبناتهم تعالج في المستشفيات من جراء ما فعل بهن من لا يخاف الله ولا يرعى حرماته.. ويذكر المسافرون بهذا الصدد أن قوى التفتيش والتمشيط التي تداهم الأحياء والعمارات السكنية كثيرًا ما تعتدي على النساء بالضرب والغمز واللمز والأساليب المنحطة التي لا يقبل بها ضمير، أو خلق، أو دين، أو مروءة، وكثيرًا ما يتحدث أهل المدن السورية عن حوادث اختطاف يقوم بها المسلحون من رجال رفعت وحيدر وعلى دوبا.


عبدالحليم خدام.. اعترافات خطيرة تثبت جرائم «البعث» وفشله |  Mugtama
عبدالحليم خدام.. اعترافات خطيرة تثبت جرائم «البعث» وفشله | Mugtama
اعترافات خطيرة لعبدالحليم خدام تثبت جرائم «البعث» السوري وفشله
mugtama.com
×


رابعًا: المجازر الدموية:

بعد مجازر جسر الشفور ومعرة النعمان ومدينة حماة حدثت في سورية مجزرة دموية لا مثيل لها حتى في تاريخ النازية، فقد ورد في تقرير رفعته لجنة من أهالي المعتقلين في سورية الخبر التالي:

في صباح يوم الجمعة 27/ 6/ 1980م الساعة التاسعة توجهت اثنا عشرة طائرة هليكوبتر تابعة لسرايا الدفاع والوحدات الخاصة من مدينة حماة إلى سجن تدمر الصحراوي حيث المعتقل الكبير للإخوان المسلمين والضباط السنيين.

القتل الجماعي وانتهاك الحرمات من الأعمال الاعتيادية

وأخرجوا كافة المعتقلين، ثم أطلقوا نيرانهم الرشاشة عليهم. فاستشهد على الفور ما بين ثمانمائة إلى ألف معتقل، وأكثرهم من الضباط وحملة الشهادات العالية من أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين وقضاة ومدرسين وطلاب.. ثم حفرت حفرة كبيرة واسعة ودفنت فيها جثث الشهداء مع الجرحى وهم أحياء، حيث هالت عليهم جرافتان التراب، وقد ذكرت مصادر موثوق بها أن رفعت أسد هو الذي قاد هذه العملية، وأنه كان يطلق بنفسه النيران على المعتقلين من طائرة هليكوبتر.

ومن أجل تغطية هذا الحادث المفجع ادعى المسؤولون عنه بأن هناك محاولة هرب من سجن تدمر تم القضاء عليها.

هذا وقد قامت السلطة بتشكيل ما أسمته بمحاكم ميدانية لإصدار أحكام مزورة بحق هؤلاء الشهداء.

وجدير بالذكر هنا أن لجنة أهالي المعتقلين التي نشرت الخبر تناشد كل ضمير حي أن يعمم هذا النبأ على كافة وسائل الإعلام العالمية والهيئات الدولية ولجان حقوق الإنسان.

رأي في الأحداث الجارية في سورية

لقد أعاد المراقبون السياسيون والمحللون لأحداث سورية أسباب ما يجري اليوم في القطر السوري إلى الإدارة السورية، وحملوها المسؤولية كاملة، وفي هذا الصدد كتب الأستاذ صلاح الدين بيطار رئيس وزراء سورية الأسبق مقالًا في المسألة السورية ضمن مجلته الإحياء العربي العدد 16 جاء فيه: «إن ما جرى ويجري في حماة وحلب من عمليات التمشيط لا ينحصر أثره فيما ارتكبت وترتكب وحدات جيش النظام السوري من أعمال وحشية تستهدف نشر الرعب.. لدى السكان الآمنين من شيوخ ونساء وأطفال وإنما ينتشر أثره فيما يترك من رواسب في نفوس المواطنين لمفهوم المواطنة لدى هذا النظام ووحدات جيشه».

ثم يحمل الأستاذ البيطار مسؤولية ما يحصل للإدارة السورية معللًا أسباب العنف الشعبي المضاد للسلطة كما يلي: «إن أعمال العنف التي تقوم بها مجموعة من الشعب لا يمكن تفسيرها بصورة صحيحة إلا إذا أدرجت في سياقها التاريخي.. فأعمال العنف هذه هي ردة فعل طبيعية.. على عشرة أعوام على الأقل من ممارسة القهر والظلم، ومن التمييز الطائفي السياسي والقمع الديكتاتوري العسكري البوليسي، ومن الإرهاب الفكري والتضليل الإعلامي ومصادرة الحريات وهدر حقوق الإنسان وفقدان العدالة وسيادة القانون وتعشيش الفساد في الدولة وتفشي الإثراء غير المشروع في أعلى مناصب الحكم والحزب الواحد وعبادة الذات، وبكلمة واحدة نقول: إن أعمال العنف هذه هي ردة فعل طبيعية من قبل المجتمع المدني الجريح المقهور على المجتمع العسكري المتخلف الجائر، وبهذا المعنى إذا كانت ردة الفعل هذه تشكل قضية، فهي قضية سياسية.

صلاح البيطار: العنف الشعبي ردود فعل لممارسات النظام

وكان يجب أن ينظر إليها وتفسر وتعالج على هذا الأساس، أي بفهم وصبر وحكمة، وهذا هو معنى كلمة السياسة، فليس لها علاقة بالصهيونية ولا الإمبريالية ولا الرجعية ولا بكامب ديفيد ولا بكل هذه المحفوظات العقائدية.

إنها ردة الفعل الطبيعية على هذا النظام، إنها مسؤولية النظام السوري، ومسؤوليته في ذلك كاملة». (مجلة الإحياء العربي، العدد 17، 9/ 5/ 1980م). 

من ينقذ سورية؟

كتبت مجلة «الوطن العربي» التي تصدر في باريس مقالاً مطولًا تساءلت فيه عن الحالة التي وصلت إليها سورية على يد الإدارة الحاكمة التي شعرت بعزلتها في الداخل والخارج.

التي تظن أن المخرج مما هي فيه الاتكاء على الاتحاد السوفياتي.. وقد حذرت مجلة الوطن العربي في عدد لاحق صدر يوم 19/ 7/ 1980م من معاهدة سورية مع السوفيات تفتح باب سورية للروس الشيوعيين على مصراعيه في محاولة من النظام السوري بإيجاد المخرج الذي يظن أنه سينقذه من ردة الفعل الشعبية.

وإزاء ما يحصل من عنف مضاد على الساحة السورية يرى الأستاذ حمود الشوفي، وهو مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، والذي أعلن استقالته من منصبه احتجاجًا على ما يجري من أحداث دامية في أنحاء سورية .. يرى الشوفي أن المخرج الذي ينقذ سورية واجب عربي إنساني.

فقد كتب مقالًا في العدد (18) من مجلة «الإحياء العربي» جاء فيه: «إن تحرير سورية من نظام القمع الفردي الطائفي هذا ليس واجبًا سورية فحسب.. لكنه باعتقادي قضية سياسية بالدرجة الأولى وواجب قومي عربي وإنساني في المقام الأول، وتقتضي الأمانة العلمية من جهة والضرورة السياسية من جهة ثانية أن نشير إلى أن الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع مثلها مثل أجهزة الأمن السورية يقودها عسكريون ينتمون للطائفة العلوية «النصيرية» ويشكل مواطنون من أبناء هذه الطائفة عمودها الفقري وقوتها الضاربة.

وقد مارست، ولا زالت تمارس حتى اللحظة وخاصة أثناء عمليات التمشيط والتفتيش، أنواعًا من الأعمال يندى لها الجبين من مثل النهب وانتهاك الأعراض وإجبار النساء المحافظات على الغناء والرقص على نغم «لعيونك أبو سليمان»، وهي كنية الرئيس الأسد.

ولذا، فمن الطبيعي أن ينظر الشعب إلى هذه القوات على أنها جيش احتلال أجنبي.. أما على الصعيد العربي فالقضية كذلك خطيرة إلى أبعد الحدود، ذلك لأن سورية تشعر الآن أنها تواجه وحدها كل أعمال القمع هذه في جو من التعتيم الإعلامي العربي يعمي البصائر والأبصار، ويخشى أن يترك آثارًا خطيرة على مفهوم الوحدة العربية بالذات... وسورية الشعب تشعر الآن بنوع من المرارة والعتب لأنها لا تسمع حتى الآن وعلى امتداد الوطن العربي كله الصوت الذي تنتظر..» (مجلة الإحياء العربي، العدد 18، 12/ 1/ 1980م). 

بعد هذا الاستعراض لما يحدث في سورية الشقيقة.. وما يطرح لمشكلتها من حلول نقول: إذا أصر الصامتون من رجال الأنظمة العربية والإسلامية جمعاء على عدم التكلم، فإن الصراع سيظل آخذًا طريقه حتى النهاية... والمسلمون هناك قانعون بإحدى الحسنيين.. أما الظالم فإن الله له بالمرصاد.

فهل تقدم الحكومات المعنية على القيام بدور يوقف المآسي في سورية؟ وهل حان الوقت لكي تضرب الأنظمة العربية الإسلامية على يد الظالم فيكف عن ظلمه..

اللهم قد بلغنا.. اللهم فاشهد(1)! 


النظام السوري.. بين وعود الحرية والواقع المظلم |  Mugtama
النظام السوري.. بين وعود الحرية والواقع المظلم | Mugtama
يعيش النظام السوري حالة من الشد والجذب مع الأحداث التي تدور داخل سورية، والواقع عليها من الخارج
mugtama.com
×


 




_______________________

() نُشر في العدد (491)، 17 رمضان 1400هـ/ 29 يوليو 1980م، ص 14.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة