العناد الطبيعي عند الأبناء (8)

ماذا يتعلم طفلك من لحظات الرفض والإصرار؟

لسنا نبالغ إذا قلنا: إن العناد من أكثر المشكلات التي تُقلق المُربين، لكنه من أكثرها كشفاً لعمق العملية التربوية، ولكشف حقيقة التعامل الوالدي مع السلوكيات التي لما يعتادوا عليها، فالعناد ليس مجرد موقف يُدار، بل خبرة نفسية يعيشها الطفل، ويتعلم منها قِيَماً وسلوكيات تبقى معه طويلاً، أو ستظل معه طِيلة العمر، سواء انتبهنا لذلك أم لم ننتبه.

فالسؤال الأهم ليس: كيف نُسكت العناد؟ بل: ماذا يتعلم الطفل عن نفسه؟ وعن العالم؟ وعن علاقاته حين يُعاند؟

أولًا: العناد مدرسة لتشكّل «الأنا» عند الأبناء:

العناد الطبيعي ليس خللًا في السلوك، بل مدرسة أولى لتشكُّل «الأنا» عند الطفل، ففي لحظات الإصرار والرفض يبدأ الطفل في رسم حدوده النفسية والاجتماعية، واكتشاف صوته الداخلي، والشعور بأنه كيان مستقل، وهنا تتكوّن «الأنا» بوصفها وعيًا بالذات لا أنانية.

وكلما وُجّه هذا العناد بحكمة، لا بقمع، خرجت «الأنا» متزنة، وواثقة دون تعالٍ، وحازمة دون عدوان، وقادرة على قول: «لا» دون قطيعة، أما حين يُكسَر العناد، فإن «الأنا» لا تموت فقط، بل تتشوّه.

إن العناد الطبيعي -إذا أحسن المُربون احتواءه- مختبر لبناء الشخصية وليس ميداناً للمعركة، ومن أحسن التربية من خلاله؛ أحسن صناعة إنسان يعرف نفسه، قبل أن يواجه العالم.

ثانيًا: ماذا يتعلّم الطفل عن السلطة من خلال العناد؟

العناد الطبيعي هو أول فصلٍ يتعلّم فيه الطفل معنى السلطة، لا كما تُكتب في القوانين، بل كما تُعاش في العلاقات، فمن خلال رفضه وإصراره يختبر: هل السلطة قهرٌ أم احتواء؟ هل هي صوتٌ أعلى أم عقلٌ أوسع؟ فإذا وُوجِهَ عناده بالقمع تعلّم أن السلطة خصمٌ يجب التحايل عليه أو كسره، أمّا إذا قُوبل بالحوار والحزم الهادئ، أدرك أن السلطة تنظيمٌ يحمي، وحدودٌ تُشعر بالأمان، لا سطوة تُهين الكرامة وتقتل الإنسانية.

هكذا يصنع العناد وعي الطفل المبكر بالسلطة؛ إمّا أن يراها قوةً تُخضع، أو مسؤوليةً تُرشد، ومن هنا تبدأ أولى ملامح علاقته لاحقًا بالقانون، والقيادة، والانضباط، هل يلتزم بها احترامًا، أم يخشاها خوفًا، أم يتمرّد عليها رفضًا!

ديانا بومريند، وهي من أبرز علماء نفس النمو، قرّرت في دراساتها أن الأطفال يتعلمون معنى السلطة من خلال كيفية تعامل الوالدين مع الرفض والعناد، لا من خلال الأوامر نفسها، فالسلطة المتسلطة تُنتج مقاومة أو خضوعًا هشًا، بينما السلطة الحازمة الدافئة تُنتج احترامًا داخليًا وتنظيمًا ذاتيًا.

ثالثًا: العناد الطبيعي يعلّم الطفل كيف يدير مشاعره:

في لحظة العناد يشعر الطفل بمشاعر متضاربة؛ من رغبة، وغضب، وخوف، وتوتر، وقلق.. إلخ، فإن قُوبل بالصراخ يتعلّم أن المشاعر خطر يجب كبتُه، وإن قُوبل بالهدوء يتعلّم أن المشاعر تُدار ولا تُقمع، وهنا يتشكّل الفرق بين طفل يثور لأنه لا يفهم ما يشعر به، وطفل يهدأ لأنه تعلّم كيف يسمّي شعوره ويتعايش معه.

فالعناد الطبيعي ليس مجرد سلوك رافض، بل ساحة تدريب داخلية يتعلّم فيها الطفل كيف يتعامل مع مشاعره المتدفقة، ففي لحظة العناد، يختبر الطفل الغضب، والإحباط، والرغبة، والخوف، في وقتٍ واحد؛ ومن خلال تفاعل المربي الواعي، يبدأ بتعلّم الفرق بين الشعور والتصرّف، حين يُحتوى عناده بدلاً من قمعه، يدرك أن الغضب لا يُلغيه، وأن الإحباط يمكن تهدئته، وأن المشاعر لا تحتاج صراخًا كي تُسمَع.

إن العناد حين يُدار بحكمة يُعلّم الطفل مهارة ثمينة وهي أن يشعر بقوة دون أن ينفجر، وأن يرفض دون أن يؤذي، وأن يهدأ دون أن يُهان، وهكذا يتحول العناد من فوضى عاطفية إلى درس مبكر في ضبط النفس، وتنظيم المشاعر، وبناء الاتزان الداخلي الذي سيحمله الطفل معه طوال حياته.

رابعًا: العناد الطبيعي كدرس مبكر في الحوار أم الصدام:

الطفل العنيد يراقب جيدًا: هل نناقش، أم نفرض؟ هل نسمع، أم نُسكِت؟ ومن هذه اللحظات الصغيرة يتعلّم: كيف يختلف، كيف يطالب، كيف يتراجع، وكيف يحفظ كرامته.

فالعناد الطبيعي هنا ليس مشكلة، بل ساحة تدريب، وهو درس مبكر يضع الطفل أمام خيارين مصيرين؛ الحوار أو الصدام، ففي كل مرة يُواجَه فيها عناده بالقمع، يتعلم أن القوة هي اللغة الوحيدة، وأن العلاقة مع الآخر ساحة صراع لا مساحة تفاهم، أما حين يُقابل بالاستماع والتفسير والحدود الهادئة، يتعلم أن الخلاف لا يُدار بالصوت العالي، بل بالكلمة، وأن الاختلاف لا يعني القطيعة.

هكذا يتحول العناد إلى معلّم صامت؛ إما أن يدرّس للطفل فن التفاوض واحترام الآخر، أو يلقّنه مبكرًا منطق العناد المضاد والعنف الخفي، والفرق لا يصنعه الطفل، بل طريقة الكبار في التعامل مع عناده.

خامسًا: ماذا يتعلّم الطفل عن نفسه حين يُسمح له بالتراجع؟

من أعظم الدروس التي يتعلّمها الطفل في العناد: هل يُسمح لي أن أُخطئ ثم أعود دون إذلال أو امتهان؟

الطفل الذي يُمنح فرصة للتراجع الهادئ يتعلّم أن الخطأ لا يدمّره، وأن الرجوع مقبول، بل فضيلة لا هزيمة، أما الطفل الذي يُحرج أو يُفضح أو يُوبَّخ، فيتعلّم العناد الدفاعي المرضي لا العناد الطبيعي، ويتعلم الطفل حينها أنه مقبول لدى والديه، وغير مرفوض، وإن كان سلوكه السيئ غير مقبول، وهذا يعطيه الدافع للبعد عن السلوكيات السيئة، أو الإقلال منها، وهذا منهج تربوي إسلامي عظيم، يندرج تحت حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ»(1).

سادسًا: يتعلم الطفل كيف يدير الخلاف دون أن يفقد ذاته:

يتعلّم الطفل من العناد الطبيعي درسًا مبكرًا في إدارة الخلاف دون التفريط في الذات، ففي لحظات الرفض والإصرار، يكتشف أن الاختلاف لا يعني الانكسار، وأن التراجع لا يلغي قيمته، وأن التعبير عن الرأي يمكن أن يتم دون صراخ أو عدوان، العناد هنا ليس صدامًا مع الآخر، وإنما تدريب داخلي على الموازنة بين ما يريد وما يُطلب منه.

وحين يُقابَل هذا العناد بالاحتواء لا بالقمع، يتعلّم الطفل أن يحفظ كرامته وهو يختلف، وأن يصون ذاته وهو يتنازل، وأن يبقى وفيًّا لمشاعره دون أن يقطع جسور العلاقة، هكذا يتحوّل العناد الطبيعي إلى مدرسة نفسية عميقة تُعلّم الطفل أن الخلاف لا يُدار بالقوة، بل بالوعي والحوار.

علينا أن نُدرك أن العناد الطبيعي ليس عثرة في طريق التربية، بل محطة تعليمية دقيقة يتعلّم فيها الطفل كيف يختلف دون أن ينكسر، وكيف يتمسّك بذاته دون أن يعادي من حوله، فمن خلال هذا السلوك، يتدرّب على إدارة الخلاف، وضبط مشاعره، وفهم حدود السلطة، واكتشاف صوته الداخلي في عالم مليء بالأصوات.




________________

(1) أخرجه الترمذي (2499)، وأحمد (13049) واللفظ لهما، وابن ماجه (4251) باختلاف يسير.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة