مال يُدار بسكينة.. ثروة تنمو في هدوء

د. علي شيخون

04 أكتوبر 2026

129

يتضمن التصميم شجرة أوراقها نقود ورجلاً يجلس بهدوء وصورة للكاتب

مال يدار بسكينة.. في زمنٍ تتقلب فيه الأسواق وتتصاعد الأسعار وتتوالى أخبار الأزمات صار المال يشغل عقول الناس أكثر مما تحمله جيوبهم، فمنذ سنوات تضع استطلاعات التوتر في أمريكا التي تجريها جمعية علم النفس الأمريكية يأتي المالَ في صدارة مصادر الضغط النفسي، وتتكرر الظاهرة في مجتمعاتنا بصور مألوفة؛ موظفٌ مستقر يسهر على حساباته خوفاً من الغد، وتاجرٌ موسر يضيّق على أهله ثم يغامر بمدخراته في صفقة تَعِدُه بالأمان دفعة واحدة، وأسرةٌ تقضي يومها بين خشية الفقر ومطاردة الاستهلاك.

هذه الحالة يسميها المختصون القلق المالي، وهي هاجس دائم بالمال يلازم صاحبه أياً كان رصيده، ويتسلل إلى نومه وعلاقاته وقراراته، والمفارقة فيه أن الخوف على المال كثيراً ما يكون أقصر الطرق إلى خسارته، لأن العقل الخائف يختار أسوأ القرارات في أسوأ اللحظات ويحرس الثروة بالطريقة التي تُفنيها.

حين يصبح الخوف مستشاراً مالياً

الخوف شعورٌ فطري يحمي الإنسان من الأخطار، لكنه حين يتولى إدارة المال يصير مستشاراً سيئاً يُملي قراراته في الوقت الخطأ، وقد وصف القرآن الكريم هذه الطبيعة وصفاً دقيقاً في قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) (المعارج)، جمعت الآيات الثلاث وجهَي القلق المالي: جزعٌ يستبد بصاحبه عند الخسارة، وإمساكٌ يقبض يده عند الربح، ثم استثنت (الْمُصَلِّينَ) و(الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ)، فجعلت الصلة بالله والبذل علاجاً لهذا الهلع، وبعد قرون قاس عالما الاقتصاد السلوكي دانيال كانمان، وعاموس تفيرسكي هذا الميل بالتجربة، فوجدا أن الإنسان يتألم للخسارة قرابة ضعف ما يفرح بربح يساويها.

أول هذه القرارات البيع في لحظة الذعر، تهبط الأسواق فيسارع الخائف إلى التخلص من أسهمه أو عقاره أو ذهبه بأبخس الأثمان، بذلك تتحول خسارته المؤقتة على الورق إلى خسارة نهائية.

والقرار الثاني تجميد المال حيث يكدّس القلِق مدخراته نقداً في البيت أو في حساب جارٍ ظناً منه أنه يحفظها، بينما يقضم التضخم قيمتها عاماً بعد عام، وهذه النزعة صوّرها قوله تعالى: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا) (الإسراء: 100)؛ فخشية النفاد تدفع صاحبها إلى الإمساك ولو امتلك الخزائن، والمال الراكد يتآكل في صمت، والثروة التي تُحبس عن الحركة تفقد قدرتها على النمو.

والثالث مطاردة الخلاص السريع، فالقلق يبحث عن مخرج فوري فيقع صاحبه أسيراً لإعلانات الربح المضمون والمضاربات الرقمية ومشروعات الثراء في أشهر، يُلقي فيها ما ادّخره في سنوات ويخرج بخسارة تضاعف قلقه وتدفعه إلى مغامرة جديدة.

ويكتمل المشهد بالدَّين، فالخائف من نفاد المال يقترض ليحتفظ بمدخراته أو ليعوّض خسارته أو ليُسكت قلقه بالإنفاق، وهكذا يدخل دائرةً تتغذى فيها الديون على القلق، ويتغذى فيها القلق على الديون.

وعدُ الفقر

يكشف القرآن الكريم مصدراً خفياً لهذا القلق في قوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا) (البقرة: 268)؛ ويمنعكم أن تنفقوه في مرضاة الله، فالوعد بالفقر صناعةٌ للخوف غايتها أن يقبض الإنسان يده عن الخير، وأن يرى مستقبله مظلماً مهما اتسع حاضره، واللافت أن الآية قرنت التخويف من الفقر بالأمر بالفحشاء فالخائف من الفقر أقرب الناس إلى الانزلاق نحو الكسب الحرام والمعاملات المشبوهة طلباً للأمان.

وفي زماننا وجد هذا الوعد أدوات جديدة، فمنصات التواصل تعرض حياة الآخرين في أبهى صورها، من سفر وسيارات وبيوت ومشتريات، فيقيس المرء ما في يده بما في أيدي الناس، ويرى النعمة نقصاً والكفاية عجزاً، وتُكمل الإعلانات المهمة حين تقنعه بأن سعادته معلّقة بالمنتج القادم، فيعيش بين شعور دائم بالحرمان واستهلاك يستنزف دخله.

وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الباب علاجاً دقيقاً حين قال: «انظروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، فاتجاه النظر يصنع الشعور بالغنى أو الفقر قبل أن يصنعه الرصيد، ومن أطال النظر إلى من هم فوقه عاش فقيراً ولو امتلك الكثير.

الطير تغدو خِماصاً

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً»، في الحديث صورة كاملة لعلاج القلق المالي: طائرٌ يخرج في الصباح جائعاً ويعود في المساء شبعان، وبين الغدوّ والرواح سعيٌ وطيران وبحث، فالتوكل الذي يرسمه الحديث يجمع طمأنينة القلب إلى حركة الجسد، ويجعل الرزق بيد الله والسعي على العبد.

وبهذا الفهم تتحرر النفس من عبءٍ ثقيل، فالقلِق يحمل على كتفيه مسؤولية النتائج كلها، ويظن أن رزقه ورزق أبنائه معلّق بقرار يتخذه الليلة أو صفقة يدركها غداً، أما المتوكل فيأخذ بالأسباب كاملةً ثم يترك النتائج لمن قسم الأرزاق، فيدخل السوق بعقل هادئ يزن الفرص والمخاطر بميزانها الصحيح، وفي هذا المعنى جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس اتقوا الله وأجمِلوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها».

والتخطيط للمستقبل جزءٌ أصيل من هذا التوكل، فقد واجه يوسف عليه السلام نذيرَ سبع سنين عجاف بخطة ادخار محكمة: (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف: 47)؛ فحوّل الخوف من المجاعة إلى برنامج عمل أنقذ مصر ومن حولها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس"، فالحرص على مستقبل الأسرة مشروع، والفرق بين المخطِّط والقلِق أن الأول يحوّل خوفه إلى خطة، والثاني يحوّله إلى أرق.

مال يدار بسكينة.. صفة الطمأنينة

يبدأ العلاج بميزانية واضحة، فالقلق يتغذى على الغموض والأرقام المجهولة تتضخم في الخيال أضعاف حجمها في الواقع، وحين يعرف المرء دخله بدقة ويعرف أين تذهب نفقاته ويقسّمها بين الضروري والحاجي والكمالي يتحول المال من شبحٍ يطارده إلى أداة يديرها، وهذا هو القَوام الذي مدح الله به عباده: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67)، وهو وسطٌ يحمي من الشح الذي يولّده الخوف ومن الإسراف الذي يهرب به الخائف من خوفه.

ويأتي بعدها احتياطي الطوارئ، وهو مبلغ يغطي نفقات ثلاثة إلى ستة أشهر، يُحفظ هذا المبلغ في وعاء آمن سهل التسييل بعيداً عن الاستثمار والمضاربة، فهو يجيب عن أسئلة الليل الكبرى: ماذا لو فقدتُ عملي؟ ماذا لو مرض أحد الأبناء؟ ويمنح صاحبه القدرة على ترك بقية مدخراته تنمو في استثمارات طويلة الأجل، فيأمن الاضطرار إلى بيعها في لحظة ذعر.

ثم يأتي الدَّين وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم مقروناً بالهم والحزن في قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال»، والجمع بين الهم وضلع الدين في دعاء واحد يلخّص العلاقة بين المال والنفس، فالدَّين ثقلٌ على القلب قبل أن يكون رقماً في الحساب، وتبدأ السيطرة عليه بالكفّ عن الاقتراض للاستهلاك، ثم ترتيب الديون القائمة وسدادها وفق خطة زمنية واضحة.

وتكتمل الوصفة بالصدقة وهي أبعد عناصرها عن منطق الخوف، فالقلِق يرى في كل درهم يخرج من يده نقصاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نقصت صدقةٌ من مال»، والصدقة تكسر سلطان الخوف على النفس، وتعلّم صاحبها أنه يملك المال وتمنحه طمأنينة يعجز عن شرائها أي رصيد.

إن القلق المالي يبدأ خوفاً على المال وينتهي بخسارته، وتبدأ الطمأنينة ثقةً بالرزّاق وتنتهي بمالٍ يُدار بحكمة وينمو في هدوء، والطريقان يحتاجان الأدوات نفسها، ورقةً وقلماً والفرق في استعمالهما أن صاحب الطمأنينة يرسم بهما خطةً في وضح النهار، وصاحب القلق يسهر بهما على حسابات الخوف في جوف الليل.

والغنيّ حقاً من ملك المال وملك معه سكينة قلبه، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح منكم آمناً في سِربه مُعافى في جسده عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا»، كثيرون اليوم يملكون هذه الدنيا كاملة ويضيّعها القلق من بين أيديهم كل ليلة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة