ما الذي فقدته غزة خلال 3 سنوات من الحرب؟

إياد القطراوي

07 أكتوبر 2026

47

ركام المباني والدمار الشامل في قطاع غزة

خلال 3 سنوات من الحرب، لم يقتصر الفقد في غزة على أشخاص رحلوا، بل امتد إلى تفاصيل كانت تصنع الحياة اليومية؛ أشياء اختفت، وأماكن تغيرت أو دُمّرت، وعادات انقطعت، وذكريات أصبحت معلقة بما كان، وأحلام أُجّلت أو تبدّلت.

في الذكرى الثالثة للحرب، تستعيد هذه المادة جوانب من الحياة التي فقدها الغزيون؛ من أشخاص تركوا فراغًا في البيوت، إلى أماكن تغيرت ملامحها، وعادات لم تعد كما كانت، وذكريات يحاول أصحابها الاحتفاظ بها، والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي فقدته غزة خلال 3 سنوات من الحرب؟

الذين رحلوا وغابوا

لا يُقاس الفقد بعدد الذين رحلوا فقط، بل بعدد التفاصيل التي رحلت معهم، لكل غائب مكان في البيت، وأشياء كان يستخدمها، وأشخاص اعتاد أن يسأل عنهم.

يحاول حسن محمد استعادة صورة أبيه الذي غاب خلال الحرب، لا باعتباره اسمًا في قائمة طويلة من الضحايا، وإنما إنسان كانت له حياة كاملة قبل أن يصبح ذكرى.

يقول لـ«المجتمع»: كنت أراه في البيت، وأتحدث معه، وأختلف معه أحيانًا على أشياء بسيطة، لم أكن أفكر أن هذه التفاصيل ستصبح يومًا ذكريات أتشبث بها، الآن، عندما أرى مكانه وكرسيه وملابسه وصورته المعلقة على الجدار، أشعر وكأنه ما زال هنا، وكأن غيابه مؤقت.

ويضيف: أحيانًا أتوقف أمام أشيائه طويلًا، وأتذكر صوته وضحكته وطريقة حديثه، بعد رحيله لم يتغير البيت في شكله فقط، بل تغيرت تفاصيل الحياة داخله، الأشياء التي كنا نعتبرها عادية أصبحت أكثر ما نفتقده.

بالنسبة إلى حسن، لم يعد الغائب مجرد شخص رحل، بل أصبح جزءًا من ذاكرة البيت؛ صورته وأغراضه ومكانه تفاصيل يستعيد من خلالها حضوره.

أشياء بقيت وحدها

ليست كل الذكريات محفوظة في الصور، أحيانًا تختبئ في قميص قديم، أو لعبة طفل، أو ساعة، أو حقيبة، لتتحول الأشياء البسيطة إلى آخر ما يربط أصحابها بمن فقدوا.

هذا ما تفعله الأم المكلومة جيهان الصوري، التي تحتفظ بأشياء ابنها الصغير أحمد، الذي فقدته في الحرب.

تحمل أغراضه بين يديها وتقول لـ«المجتمع»: أتمسك بهذه الأشياء رغم بساطتها، لأنها ربما تكون آخر دليل مادي على حياة كانت موجودة ذات يوم، في ظروف الفقد التي أعيشها، قد يتحول الشيء العادي إلى أرشيف شخصي أستعيد من خلاله وجه ابني الذي غاب، وأتذكر صوته وحضوره وتفاصيل أيامه.

وتضيف: كل شيء من أشيائه يحمل جزءًا منه، أحيانًا ألمس ملابسه وأتخيل أنه ما زال هنا، وأتوقف أمام صورته طويلًا وكأنني أنتظر أن يكلمني.

وتنابع: أخشى أن أفقده مرتين؛ مرة حين رحل، ومرة حين تتلاشى تفاصيله من ذاكرتنا، لذلك أحتفظ بكل شيء، مهما بدا بسيطًا، حتى أستطيع أن أقول لإخوته يومًا: كان هنا، وكان له مكان، وكان له صوت، وكانت له حياة.

أماكن غابت

لم تكن البيوت جدرانًا فقط، بل كانت مساحة للأمان والخصوصية واللمة العائلية، وكانت المدارس أماكن للتعلم والصداقة، والأسواق جزءًا من الحياة اليومية، والمقاهي فضاءات للقاء، والشوارع ذاكرة مفتوحة، والبحر متنفسًا للعائلات والأطفال والشباب.

يقول أستاذ العلوم السياسية أشرف مزهر لـ«المجتمع»: الحرب اللعينة غيّرت خريطة الذاكرة، أماكن دُمّرت، وأخرى تغيرت ملامحها، وأخرى أصبح الوصول إليها صعبًا أو مستحيلًا، لم تعد المدارس التي احتضنت سنوات الدراسة كما كانت، ولا الأسواق التي كانت تعج بالحركة، ولا أماكن الترفيه التي كانت العائلات تقصدها لقضاء ساعات بعيدًا عن ضغوط الحياة.

ويضيف: حتى شاطئ البحر، الذي كان متنفسًا للغزيين ووجهة للعائلات والشباب والأطفال، لم يعد يحمل الصورة ذاتها، المكان الذي كان مرتبطًا بالنزهات والجلوس أمامه ومراقبة الغروب، أصبح مرتبطًا لدى كثيرين بسنوات الحرب والنزوح والخوف، وتغزوه اليوم خيام النزوح على امتداده.

لقد فقدت غزة جزءًا من جغرافيتها اليومية، ومع كل مكان يُدمّر أو تتغير وظيفته، لا تضيع حجارة ومبانٍ فقط، بل جزء من الذاكرة المرتبطة بها.

فإعادة بناء غزة، في هذا المعنى، لا تعني إعادة تشييد المباني وحدها، بل استعادة الأماكن التي صنعت حياة الناس وذكرياتهم؛ فالمدرسة ليست صفوفًا، والسوق ليس محالًا، والبحر ليس شاطئًا فقط، وإنما كلها مساحات اختزل فيها الغزيون سنوات من أعمارهم.

حين غابت العادات

تروي الأم السبعينية مطيعة حمدان تفاصيل الحياة قبل الحرب: كانت هناك تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تبدو عادية؛ مائدة الجمعة، زيارة الأقارب، تجمع العائلة مساءً، الأعراس، المناسبات العائلية، رمضان وطقوسه، الأعياد، جلسات العائلة والأصدقاء، واستقبال الضيوف.

وتقول لـ«المجتمع»: الحرب قطعت كثيرًا من هذه العادات أو غيّرت شكلها، لم يعد الاجتماع العائلي كما كان، لأن بعض أفراد الأسرة غابوا، وبعضهم نزح، وبعضهم يعيش في مكان آخر، ولم تعد الأعراس كما كانت، لأن الفرح نفسه أصبح محاطًا بالفقد، وحتى الأعياد، التي كانت موعدًا للملابس والحلوى والزيارات، أصبحت مرتبطة بالبحث عن الطعام والمأوى والأمان.

وتضيف: كنا نعيش هذه التفاصيل من دون أن نفكر في قيمتها، ولم نكن نعرف أن يومًا سيأتي تصبح فيه هذه الطقوس ذكريات نتمنى عودتها.

لكن مطيعة تتمسك بما بقي منها، ولو في أبسط صوره، وتنمني ألا تنجح الحرب في أخذ كل شيء منهم، وتعود للقول: قد تكون أخذت بيوتنا وأماننا وأشخاصًا نحبهم، لكنها لا يجب أن تأخذ ذاكرتنا أيضًا، ما زلت أحب أن أتحدث عن أيامنا القديمة، وعن موائدنا ولمّتنا وأعيادنا وأعراسنا، حتى يعرف أبناؤنا وأحفادنا أن لنا حياة جميلة كانت هنا، وأننا سنحاول الحفاظ على ما تبقى منها.

الذاكرة تنقذ ما تبقى

عندما تختفي الأشياء والأماكن والأشخاص، تصبح الذاكرة آخر مساحة يمكن اللجوء إليها، صور الهواتف، مقاطع الفيديو، الرسائل الصوتية والحكايات العائلية تحولت إلى أرشيف شخصي لحياة لم تعد موجودة بالشكل نفسه.

تجلس الناشطة والناجية آية أبو النصر أمام صور قديمة لأفراد من عائلتها، تحتفظ بها داخل هاتف نجا معها من الموت، تظهر أمامها وجوه إخوتها وأخواتها وأبنائهم، إلى جانب أكثر من 150 فردًا من عائلتها فقدتهم خلال الحرب.

تقول لـ«المجتمع»: تحولت ذاكرتي اليوم إلى أرشيف لحياة أشخاص أخشى أن تختفي، هذه الصور والذكريات لا تعيد الماضي، لكنها تمنحني فرصة للمقاومة والبقاء.

وتضيف: عندما أنظر إلى صورهم، لا أتذكر فقط أنهم رحلوا، بل أتذكر كيف كانوا قبل الحرب؛ ضحكاتهم، أحاديثهم، لمتهم، تفاصيل بيوتنا والمناسبات التي كنا نلتقي فيها، الصورة بالنسبة لي لا تحفظ الوجه فقط، وإنما تحفظ حياة كاملة.

أصبح هاتفها صندوق ذاكرة صغيرًا يحمل ما تبقى من عائلة تفرقت بالفقد والنزوح، وما تخشاه آية ليس ضياع الصور وحده، بل ضياع التفاصيل التي تجعل أصحابها أحياء في الذاكرة.

وتنابع: لا أريد أن يصبحوا مجرد أسماء أو أرقام، أريد أن يتذكر الناس أنهم كانوا أشخاصًا لهم حياتهم وأحلامهم.

وهكذا، يكتب الغزيون دفتر غيابهم لا بما فقدوه فقط، بل بما يصرون على الاحتفاظ به: الأسماء، والصور، والأماكن، والعادات، والحكايات.

فالحرب قد تغيّر شكل الحياة، وقد تترك وراءها بيوتًا مهدمة وأماكن فارغة وموائد ناقصة، لكن ما يحاول الناس إنقاذه اليوم هو أبعد من الأشياء؛ ذاكرة حياة كاملة، حتى لا يتحول الغياب إلى نسيان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة