لهفة أب على فلذة فؤاده..
ما ضوابط التعامل مع تجاوزات زوج الابنة؟
أخي الكريم د. يحيى،
أريد أن أستفسر عن كيفية التعامل مع زوج ابنتي، وما الضوابط الشرعية في ذلك؟ خاصة أن
والده الذي كان يمكن الرجوع إليه قد توفاه الله، كان رجلاً ذا خلق، وكانت تربطني
به علاقة طيبة.
بداية، أشهد
الله أنني عاملته ليس مثل ابني، بل أفضل مما يمكن أن يعامل والد ولده، فلم أسبب أي
مشكلة له، بل ولله الحمد والفضل وحده ما ادخرت جهداً لأحافظ على بيته، ولكنه قابل
ذلك بتجاوزات، وحباً لابنتي وحتى لا ينعكس ذلك عليها سلباً كنت أغض الطرف وأتجاهل
وأعفو ولا أطالبه حتى بالاعتذار.
وكنت أنصحه في
تقصيره بالتي هي أحسن، ولكن بناء على طلب ابنتي توقفت! نعم للأسف توقفت عن نصحه
حتى لا يسبب ذلك مشكلات لابنتي.
عاش معظم عمر
أبنائه مغترباً لتكوين ثروة؛ ما حرمه وزوجته وأولاده من حياة عائلية طبيعية، وترتب
على ذلك اضطراب علاقاته بهم؛ من قصور في أدائه كزوج وكأب، خاصة أنه عندما يتواجد
معهم يكون قيمة مضافة! حرصت ابنتي منذ زواجها على ألا تشاركنا مشكلاتها وزوجها؛ ما
أضعف موقفها، ومثَّل ذلك ضغطاً عصبياً عليها، من الطبيعي كوالدين كنا نشعر
بمعاناتها، ولكن كنا نبتلع آلامها ونخفف عنها ما نستطيع دون جرح كبريائها.
ما أثار
المشكلة، أنه عندما التحق الأولاد بالجامعة طلب من زوجته أن تعيش معه، وعلل ذلك
بأنه كبر ولم يعد يستحمل أن يعيش بمفرده! بدلاً من أن يقول لها: كفاك معاناة فقد
كنت نِعْم الأم والأب في غيابي! حدثت اضطرابات في البلد الذي يقيم فيه؛ ما قد يؤثر
على سلامتهم، نصحته بالمغادرة والعمل عن بُعد، ولكنه قال: إن طبيعة منصبه تحول دون
مغادرته، أما بالنسبة لسفر زوجته، فإن تذاكر السفر كلفتها مرتفعة! عرضت عليه أن
أرسل ثمن التذاكر، وأن يطمني لأن تطورات الأحداث متلاحقة، للأسف الشديد لم يرد!
كيف أتصرف؟ هل لو حاول الاتصال بي ماذا أفعل؟
التحليل
وليّ الفتاة
والدها حتى تتزوج فيصبح وليها زوجها من خلال قوامته عليها، والقوامة أن يقوم الزوج
بشؤون زوجته وكفالة الحياة الآمنة المستقرة لها وتوفير احتياجاتها المادية طبقاً
لطاقته، وتلبية احتياجاتها المعنوية؛ ولعل أهمها الأمان والاستقرار النفسي، وهو ما
عبّر عنه الشارع الحكيم بالسكينة من خلال المودة والرحمة؛ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).
تقصير الزوج في
حق زوجته أذى مباشر على زوجته وغير مباشر على والديها، ويتألم الوالدان للأذى الذي
لحق بابنتهما أكثر منها، وقد تسامح الزوجة في حقها، ولكن قد لا يسامح الوالدان من
أذاهما في أولادهما.
الأصل أن تخلص
الزوجة النية وتبذل جل وكل جهودها لإصلاح نفسها وزوجها، وحل خلافاتهما دون تدخل من
أحد، وأن يظل ذلك من الأسرار التي يجب أن يحرص عليها الزوجان، فإن باءت جهودها
بالفشل وأصر زوجها على غيّه، فيجب أخذ مشورة أحد المتخصصين، فإن رفض الزوج،
واستطاعت أن تصبر دون ضرر عليها فجزاها الله خيراً، وإلا فوجب عليها أن تطلع
والدها.
وطيب جداً أن
يتفق الزوجان على ألا يُطلعا أحداً على خلافاتهما، ولكن هذا لا يعطي الزوج الحق في
أن ينفرد بزوجته ويظلمها مادياً أو معنوياً الذي قد يكون أكثر تدميراً من الظلم
المادي؛ لذا، من حق الزوجة على والدها أن ينصفها من زوجها بالحسنى، وإلا يكون
الوالد قد أخل بحق ابنته عليه.
ومن الخلق الطيب
أن تصبر الزوجة على زوجها مع الدعاء له والأخذ بالأسباب لعلاج الخلل بينها وبين
زوجها، لكنَّ هناك فرقاً بين صبر الزوجة المأجورة عليه؛ (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، والخنوع والاستسلام والدنية في الحياة؛ (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ
مِّن سَعَتِهِ) (النساء: 130).
إن الضغوط
النفسية الناشئة من الصمت العقابي أو التجاهل أو عدم القدرة على الحوار البناء
المثمر أو التوتر النفسي أو غيرها من الأساليب الضاغطة التي قد يمارسها الزوج على
زوجته حتى وإن لم يتلفظ بلفظ جارح؛ تسبب عادة للزوجة انكفاء على الذات واحتراقاً
داخلياً.
الحياة مليئة
بأمثلة عديدة من تلك الضغوط وكذلك البيوت، ولكن شتان أن يحدث ذلك نادراً ثم سرعان
ما يسعى الزوج إلى إصلاح ما أفسده، فيحدث ما يطلق عليه بالتفريغ النفسي وتلتئم
الجروح، أما أن يكون ذلك النمط الطبيعي للعلاقة التي تسمى علاقة زوجية، فالنتيجة
إما أن تنفجر الزوجة فجأة أو تسقط مريضة، وقد يستيقظ الزوج من غفلته وظلمه لنفسه
وزوجته، ولكن بعد فوات الأوان.
أمانة ولاية
الأنثى لا تنقضي أو تنفك بزواجها، فولاية الوالد لابنته تتطلب منه مراقبة وتقييم
ولاية زوج ابنته عليها، ولكن لا يحق للأب أن يتدخل في حياتهما أو أن يسأل عنها،
إلا إذا شعر بخطر حقيقي يهدد حياتهما، ففي هذه الحالة وجب عليه النصيحة بالحكمة
والموعظة الحسنة، فإن استجاب الزوج فخير وإلا تسقط ولاية الزوج؛ لأنه لم يعد أميناً
على القيام بواجبات القوامة، ووجب على والد الزوجة الأخذ بالأسباب لحماية ابنته.
إلى كل زوج، اتقِ
الله فيما استأمنك عليه والد زوجتك، فقد أهداك أغلى ما يملك؛ ابنته وقرة عينه، واحذر
أن تضيع الأمانة، حتى لا تكون بك صفة من النفاق؛ «وإذا أؤتمن خان»، وإذا كنت اليوم
زوج ابنة، فغداً تكون والد زوجة، وتذكر: «كما تدين تدان».
حقوق والد الزوجة
علاقة الزوج
بوالدَيّ زوجه ليست علاقة ندية، فهي ليست كعلاقته بأخي أو أخت زوجه، حتى وإن أخطأ،
فلا يواجه خطأه بالمثل، بل بالعفو والانسحاب.
من الود بالزوجة
تقدير واحترام والديها، ومن التطفيف تقدير والدَيّ الزوج بقدر أعلى من تقدير
والدَيّ الزوجة.
عادة ما يكون
والد الزوجة في سن تقارب سن والد الزوج؛ «من لم يرحمْ صغيرَنا ويُوقرْ كبيرَنا
فليس منَّا» (صحيح، النوافح العطرة، 406).
في الغرب غير
المسلم يطلقون على والد الزوج «Father-in-law»، فما بالنا
بالقيم الإسلامية التي توجب تقدير والدَيّ الزوجين؟!
واجب على الزوج
أن يطمئن والدَيّ زوجته على ابنتهما، إنها أسيرة عنده؛ «اتقوا اللهَ في النساءِ
فإنهن عوانٍ عندكم» (صحيح، زاد الميعاد، 5/ 171).
حقوق زوج الابنة
زوج الابنة هو
الرجل الذي استودعته قرة عينك، فمن حقه معاملته بكل حب وتقدير، ولكن بالقدر الذي
لا يفقدك مكانتك كوالد زوجته وجدّ أبنائه فيتجاوز، وإن حدث؛ فجزاك الله خيراً أن
تعفو، ولكن يجب أن تبيّن له خطأه ويعتذر، حتى لا يستمرئ التجاوز معك.
كما أن من حقه
الحرص على مصلحته، ونصحه بالحسنى، دون التدخل في خصوصية حياته الزوجية، فمن حقه،
بل واجبه إدارة حياته الزوجية بما يتوافق مع زوجته، ودون الإخلال بالوفاء بتلبية
احتياجاتها المادية والمعنوية ويحقق لها السكينة والطمأنينة النفسية.
بناء على ما سبق
عليك:
1- تجنب ابنتك
التأثير السلبي لتوتر علاقتك بزوجها، فهو حبيبها وأنيسها وسندها ووالد أولادها.
2- الدعاء له،
وإعذاره، فقد يكون تحت ضغوط عمل، كما يجب بيان خطئه بالحسنى، فإن أدرك خطأه واعتذر؛
فاصفح واعفُ وأحسن واحتسب عند الله، وإلا فتجنبه، يجب أن يحرص الزوج وأهل زوجه على
تحسين علاقتهم، دعماً للزوجين في علاقاتهما، ولكن إذا فشلوا في بناء علاقة طيبة
تجمعهم، فيجب ألا ينعكس ذلك سبياً على علاقة الزوجين.
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً