ما كل نابع ماء .. حكمة في فلسفة الجوهر والمظهر
((ما كلُّ نابعٍ ماءً، ولا كلُّ سقفٍ سماءً، ولا كلُّ بَنْيَةٍ بيتَ اللهِ، ولا كلُّ محمدٍ رسولَ اللهِ.)) (بديع الزمان الهمذاني)
بيان وفوائد:
درس بليغ في فلسفة الجوهر والمظهر، وتنبيه للعقل لكي لا يقع في فخ "التعميم" أو "السطحية". هي دعوة للتمييز بين الأشباه والنظائر، وبين الحقيقة وصورتها.
1. التمييز بين المصدر والجوهر "ما كل نابع ماء". ليس كل ما ينبع من الأرض هو ماء زلال؛ فلا ينخدع الإنسان بأي ينبوع، بل عليه التحقق من كونه في النفع والفائدة. فلا تغترّ بالحركة أو الظهور الأول للأشياء. إنه في عالم الأفكار، ليس كل من يتحدث بعاطفة هو صاحب حق، وليس كل "نبع" معرفي هو نبع صافٍ. العبرة دائماً بنوعية "المادة" لا بمجرد فعل "النبعان".
2. التمييز بين الحدود والآفاق "ولا كل سقف سماء". السقف يحدّنا ويحمينا، لكنه يظلّ من صنع البشر أو نتاج مادة ضيقة، أما السماء فهي المطلق واللانهاية. فلنحذر من خلط "السقوف" التي تحيط بنا (سواء كانت سقوفاً فكرية، أو اجتماعية، أو طموحات محدودة) بـ "السماء" الواسعة. هي دعوة لعدم الرضا بالحقائق المجتزأة واعتبارها هي الحق المطلق.
3. التمييز بين الشكل والقداسة "ولا كل بنية بيت الله". المباني كثيرة، والبيوت تملأ الأرض، لكن "بيت الله" (بالمعنى الرمزي أو التعبدي) له روحانية وقدسية تتجاوز الحجر والطين. فالقيمة إذن ليست في "البناء" (الشكل الخارجي)، بل في "المعنى" الذي يسكن هذا البناء. هناك أجساد كالبنيان لكنها خالية من الروح، وهناك أعمال ضخمة لكنها تفتقر إلى الإخلاص أو الغاية السامية.
4. التمييز بين الاسم والمقام "ولا كل محمد رسول الله". هذا هو قمة الهرم في التمييز. "محمد" اسم شريف يتسمى به الملايين، لكن "رسول الله" هو مقام النبوة والاصطفاء الذي لا يشاركه فيه أحد. فالهوية ليست مجرد "لقب" أو "اسم". التماثل في الأسماء لا يعني التساوي في المراتب أو الخصائص. هي دعوة لتقدير الخصوصية والفرادة؛ فالعظمة ليست صفة عامة تُمنح للجميع لمجرد الاشتراك في مسمى واحد، بل هي استحقاق ومكانة.
وهناك ملمح بلاغي وجمالي في هذه المقولة يتمثل في: التوازي والتقابل: تعتمد المقولة على "النفي الاستغراقي" (ما كل، ولا كل) لتحطيم الأوهام الذهنية التي تميل إلى مساواة الأشياء ببعضها لمجرد التشابه الشكلي.
وتهدف هذه المقولة البليغة إلى صقل الملكة النقدية لدى الإنسان. تخبرنا أن العالم مليء بـ "المتكررات"، لكن "الحقائق" نادرة. الفرق بين الأشياء لا يكمن في أسمائها أو أشكالها، بل في جواهرها وغاياتها. ببساطة: لا تحكم على الكتاب من عنوانه، ولا على الذهب من لمعانه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً