ما الدرس الأكبر في مناسك الحج وشعائر العيد؟

ما الدرس الأكبر في مناسك الحج وشعائر العيد؟

كم إنّ أمتنا بحاجة إلى استلهام الدروس والعبر من مناسك الحج وشعائر العيد! تلك المناسك والشعائر التي لولاها ما بقي المسلمون إلى اليوم أمّة مسلمة، ولولا ما انطوت عليه من معاني ومقاصد لآلت إلى طقوس شكلية لا أثر لها في حياة المسلمين، والذي يبدو للمتفرسين في أحوال الخلق هو أنّ المسلمين يتأثرون بدرجة ما بمناسك الحج وشعائر العيد، وبما تحمله من معانٍ؛ دون حاجة إلى تأمّل أو تدبر.

لكنّ هذا التأثر المبهم والمفعم بالعاطفة الإيمانية لن يرقى إلى مستوى البعث إلا إذا أدركنا على وجه الدقة ما وراء الأشكال من مضامين، وما تحت الرموز من إشارات، فما المضامين؟ وكيف تترتب هناك؟ هذا سؤال كبير وله جدوى كبيرة، غير أنّه هنا بمثابة التمهيد لسؤال المقال عن الدرس الأكبر.

في البداية، لو لم يكن من معنى الوقوف بعرفات إلا الامتثال؛ لكان ذلك كافيًا لأهل الاعتدال، لكنّ هذا الامتثال ذو طبيعة متعدية؛ فهو ينتقل بالمؤمن من وقوفه حيث أوقفه الشرع في عرصات عرفة إلى الوقوف حيث يوقفه الشرع في كل فجّ يسلكه وكل سبيل يطرقه، فإنّ القرآن يدفع المؤمن لينطلق في كل اتجاه؛ عابدًا ومجاهدًا وفاتحًا للبلاد وهاديًا للعباد، ومبشرًا ومنذرًا في كل وادٍ وناد، وطالبًا للعلم سالكًا سبل التقدم والرشاد، وهو في انطلاقته هذه قد يغرّه علْمُه وبيانُه أو يغريه سيفُهُ وسِنانُه؛ فيقع التجاوز لحدود الله.

فلابدّ -إذَنْ- أن يتعلم كيف يكون وقَّافًا عند حدود الله لا يتجاوزها، وعند محارم الله لا يتخطاها، مثلما تعلم كيف يكون منطلقًا وثّابًا مقتحمًا غلَّابًا، فإذا قرأت في سورة «التوبة» بعد آية السيف الماضية قول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ‌حَتَّى ‌يَسْمَعَ ‌كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6)؛ أحسست بالمعنى العميق للامتثال الذي لا يتم إلا بأن يكون المسلم وقّافًا عند حدود الله، وكم نحن بحاجة إلى استلهام هذا المعنى؛ إذْ صرنا في زماننا هذا نتجاوز كل الحدود حتى مع المسلمين الموحدين لله، وهل الامتثال إلّا صورة من صور الاستسلام لأمر الله والتسليم لحكمه؟ وهل الاستسلام والتسليم في حقيقته إلّا جوهر الإسلام؟

فإذا أفاض المسلم من عرفات إلى مزدلفة فبات بها، ثم توجه في صبيحة العيد إلى منى؛ بادَرَ إلى رمي الجمرات، فما حقيقة رمي الجمرات؟ إنّها الكفر بالطاغوت، هذه هي حقيقتها، فليس الرمي إلا حركة ظاهرة تجسد الشعور الداخليّ الذي يُداخِلُ المسلمَ حين رميه للجمرة، شعورُ الكفر بالطاغوت والرفض للباطل والخروج على الفساد والظلم، والكفر بالطاغوت شرط لتحصيل حقيقة وجوهر الإسلام، قال تعالى: (فَمَنْ ‌يَكْفُرْ ‌بِالطَّاغُوتِ ‌وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها) (البقرة: 256)، والعروة الوثقى التي لا تنفصم هي الإسلام، هي «لا إله إلا الله»، التي لا إسلام إلا بها، فهذا المعنى (الكفر بالطاغوت) الذي ترسيه في النفس شعيرة رمي الجمرات يُعَدُّ -بلا شكّ- جزءاً لا يتجزأ من جوهر الإسلام.

فإذا أتمّ الحاجُّ شعائر منى يوم العيد من رمي ونُسُك وتَحَلُّل؛ انطلق إلى مكة ليطوف طواف الزيارة، حيث يدخل مع الحجيج في فلك الطواف، فيطوف مع الجميع في اتجاه واحد حول محور واحد (الكعبة المشرفة)، هذا المشهد يجسد الحالة الطبيعية التي يجب أن تكون عليها الأمة الإسلامية في حالتها الطبيعية، وهي الحالة التي يتحقق بها جانب كبير من جوهر الإسلام؛ وهو أن يتجه المسلمون في حركتهم الوجهة التي حددها الله، مشدودين جميعًا في حركتهم إلى قطب واحد هو منهج الله، وبهذه الطريقة أسلمت الأكوان كلها لله، من الذرة المتناهية في الصغر إلى المجرة المتناهية في الكبر، أسلمت بانصياعها وانضباطها على الناموس الكونيّ، فكذلك المسلم يحاكيها في حركتها واتجاهها وانجذابها إلى محورها؛ ليؤكد استسلامه للناموس الشرعي الذي هو صنو الناموس الكونيّ في الصدور عن الله، وهذا هو جوهر الإسلام.

فإذا ما فرغ الحجيج من طواف الزيارة انطلقوا مباشرة صوب جبل الصفا؛ ليسعوا بين الصفا والمروة، وهنا أيضًا يتجسّد معنى من المعاني التي تصب في جوهر الإسلام، وهو معنى الاتباع، ولا أعني بالاتباع ذلك المعنى الاصطلاحي المتأخر، إنّما أعني به اتباع المنهج الربّاني، والاقتداء في ذلك بأئمة الهدى الذين سبقونا على درب الإسلام، فالحجيج يندفعون في المسعى خلف طيف هاجر، أم المسلمين، وهي تسعى بين الجبلين، وإذا كانت هاجر قد سعت بينهما بحثًا عن الماء؛ ففيم سعي الحجيج اليوم والماء موفور مبذول في كل الأنحاء؟

والجواب هو الاتباع والتأسّي والاقتداء، الاتباع لمنهج الله والتأسّي في هذا الاتباع بالحنفاء الذين سبقونا على الطريق، هذا الاتباع هو الذي قال الله فيه: (اتَّبِعُوا ‌مَا ‌أُنْزِلَ ‌إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)، هذا الاتباع هو الذي يتحقق به الإسلام، فهو من جوهر الإسلام.

وقبل ذلك، استسلم إبراهيم لأمر الله وانقاد لحكمه؛ وذلك عندما أمره الله تعالى أن يترك زوجه وولده في وادٍ غير ذي زرع، وسألته خديجة: آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه أن: نعم؛ فاستسلمت هي الأخرى لله، وعندما أمره الله بذبح ولده، انطلق إلى تنفيذ حكم الله دون تردد أو تلعثم، وكذلك ولده إسماعيل الذي قال: (يَا أَبَتِ ‌افْعَلْ ‌مَا ‌تُؤْمَرُ ‌سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102)، فلم يتردد واحد منهما؛ لأنّهما يعلمان حقيقة الإسلام وجوهر الإسلام، ويدركان أنّ جوهر الإسلام هو التسليم والاستسلام لأمر الله وحكمه، مهما بدا للنظر أنّه يخالف العقل أو يعارض المصلحة، لذلك قال الله عنهما: (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (الصافات: 103)، ومعنى أسلما هنا انقادا وأذعنا واستسلما لأمر الله، هذا الانقياد والاستسلام هو جوهر الإسلام.

ومن هنا نعلم أنّ جماع الدروس المستفادة من مناسك الحج وشعائر العيد تحقيق وتمحيص وتأكيد وتوطيد جوهر الإسلام، لذلك إذا تأملت الشعار وجدته كله يفيض بهذا المعنى، والشعار هو «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»؛ ولذلك أيضًا نحن نكبر مع جميع المسلمين في عيد الأضحى، ونرفع صوتنا بالتكبير «الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر.. ولله الحمد»، هذا التكبير الذي يأتي استجابة لأمر الله تعالى: (لَنْ ‌يَنالَ ‌اللَّهَ ‌لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج: 37)؛ فنحن نكبر الله على ما هدانا إليه من نعمة الإسلام، وما هدانا إليه من تحقيق جوهر الإسلام، والله تعالى أعلم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة