مبادئ الحلال والحرام في الإسلام


لقد حدَّد الإسلامُ أمرَ الحلال والحرام وأقامه على مبادئ من صُنعِ الله سبحانه، واستنبط علماءُ المسلمين من آياتِ الله في كتابه في هذا الشأن ما يلي من المبادئ:

1- أنَّ الأصلَ فيما خلقَ اللهُ من أشياءَ ومنافعَ هو الحلُّ والإباحة وأنَّ الحرامَ لا يكون إلا بنصٍّ صحيحٍ وصريحٍ:

يدلّ لهذا ما جاء في قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ‌مَا ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌جَمِيعًا) (البقرة: 29)، وفي قوله: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ‌وَأَسْبَغَ ‌عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان: 20)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ‌جَمِيعًا ‌مِنْهُ) (الجاثية: 13).

وإنَّ مقتضى تسخيرِ اللهِ للإنسانِ كلَّ ما خلقه أنه أحلَّه، وأنه خلقه له وأنعم به عليه، وما حرَّمه من هذه المخلوقات كان لحكمة وبأمر صريح وواضح، فما لم يجيء نص مُحَرِّمٌ كان الحل والإباحة.

وفي بيان هذا جاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث أبي الدرداء الذي رواه الحاكم وصححه: «‌مَا ‌أَحَلَّ ‌اللَّهُ ‌فِي ‌كِتَابِهِ ‌فَهُوَ ‌حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ الْعَافِيَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَمَا كَانَ رَبُّكَ ‌نَسِيًّا) (مريم: 64).

وهذه القاعدة (أن الأصل الحل والإباحة) ليست مقصورة على الأشياء والأعيان فحسب، بل تمتد فتشمل الأفعال والتصرفات مما يدخل تحت (العادات والمعاملات).

أما العبادات فإنها أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا من طريق الوحي، فلا يعبد الله إلا بما شرع، أما العادات والمعاملات فهي من صنع الناس، والشارع يصحح ما انحرف منها، أو يهذبها ويقر الصالح منها.

2- إن التحليل والتحريم مختص بالله وحده:

ذلك ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ ‌حَرَامًا ‌وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس: 59).

وقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا ‌تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (النحل: 116).

ومن هذه الآيات وغيرها وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف المسلمون أن التحريم والتحليل إنما يكون بحكم الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولقد درج الأئمة المجتهدون على أن يقولوا في الفتوى فيما لم يرد فيه نص بالحل أو التحريم: هذا أكرهه أو لا أحبه أو لا يجبني أو لا أستحسنه، توقِّيًا من أن يقولوا بغير ما جاء في القرآن وثبت من السنة.

3- تحريم الحلال وتحليل الحرام كالشرك بالله تعالى:

ففي الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه، «إِنِّي ‌خَلَقْتُ ‌عِبَادِي ‌حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا».

4- التحريم أساسه الخبث والضرر في كل ما حرم من شيء أو عين أو قول أو فعل أو عادة أو معاملة:

حيث قال تعالى: (قُلْ ‌مَنْ ‌حَرَّمَ ‌زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف: 32)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33)، وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {87} وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) (المائدة).

وإذا تتبعنا آيات التحريم في القرآن نجدها قد فصلت المحرمات، وأمرت بالبعد عنها تشريعا من الله، فهو سبحانه الحكيم الرحيم بعباده، وكما قال في كتابه: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ‌الْمُفْسِدَ ‌مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة: 220).

5- في الحلال ما يغني عن الحرام:

فقد حرم الله الربا وأحل التجارة الرابحة، وحرم الجلوس إلى السحرة والمنجمين وشرع الاستخارة، وحرم القمار والميسر وأباح المسابقة بالخيل والإبل والسهام وغير هذا من المسابقات المشروعة، فكل محرم نجد له بديلا مباحا حلالا طيبا.

6- ما أدى إلى الحرام كان حراماً:

ذلك أن الإسلام حين يحرم أي شيء يحرم ما يفضي إليه من وسائل، فحين حرم الزنا حرم مقدماته من تبرج النساء وعريهن والخلوة بين المرأة وغير زوجها ومحارمها والاختلاط العابث والصور العارية والغناء الفاحش، إذ كل أولئك من دواعي هذا الفساد، وحين حرم الخمر لعن شاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها، وفي الربا لعن معطيه وآكله وكاتبه وشاهديه.

7- التحايل على الحرام حرام:

وهذا التحايل يصور بعضه مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد: «لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا»، وقوله: «يأتي على الناس زمان يستحلون ‌الربا ‌بالبيع».

ومن قبيل ما شاع من تغيير لأسماءِ المحرمات في هذا العصر: إطلاق اسم الفن على أنواع من الرقص الخليع والغناء الفاحش والتصوير الماجن وإطلاق اسم المشروبات الروحية على أنواع الخمور وتسمية الربا بالفائدة.

وكلمة الفن تطلق ويراد بها التطبيق العملي للنظريات العلمية بالوسائل التي تحققها ويكتسب بالدراسة والمران، كما تطلق على جملة الوسائل التي يستخدمها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف، وبخاصة عاطفة الجمال كالتصوير والموسيقى والشعر والغناء والتمثيل، وشاعت عُرفا في هذه المتنوعات الأخيرة.

هذا: والنية الحسنة لا تبرر الحرام ولا تحله، فالحرام محرم مهما حسنت نية فاعله وشرف قصده، ولا يقر الإسلام أن يتخذ الحرام وسيلة إلى غاية محمودة، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطهر الوسيلة معا.

واتقاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام من واجب المسلم سدا للذرائع، والإسلام قد بين الحلال والحرام في الأطعمة والأشربة وفي اللبس وفي أدوات المنزل وفي الكسب والاحتراف وفي العلاقات الاجتماعية.

ومن المحرمات لغيرها: الغناء والموسيقى إذا صاحبها معصية أو كانت تدعو إليها، وهذا باتفاق العلماء.

__________________

المصدر: نُشر في هدية مجلة الأزهر، المحرم 1409هـ/ 1989م.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة