...

متى تسقط الإمبراطوريات؟

مصطفى عاشور

22 أبريل 2026

63

كلما اقترب انهيار الإمبراطورية؛ ازدادت قوانينها جنونًا(1)؛ والجنون لا يعني فقدان العقل، ولكن قد يعني طغيان الحلم، فلا ترى الإمبراطورية فيمن حولها إلا كيانات هشة يمكن إقصاؤها من الوجود بسهولة، وعند تلك النقطة تبدأ الإمبراطورية في مسارها الانحداري، وربما هذا ما تحدث عنه عالم الأحياء الأمريكي ذو الأصول الروسية بيتر تورتشين في كتابه «الحرب والسلام: صعود وسقوط الإمبراطوريات»: لا تموت الإمبراطوريات العظيمة بالقتل؛ بل بالانتحار.

تثير الحرب الأمريكية - الإيرانية الكثير من الإشكالات الكبرى، من بينها أسئلة حول قدرة أي إمبراطورية أو دولة كبرى مثل الولايات المتحدة تحقيق أهدافها بالقوة، وفرض إرادتها على الجميع، وهل يعني امتلاك القوة إمكانية تنفيذ الأهداف وتحقيق الانتصار وفرض إرادتها وقهر الآخرين.

الولايات المتحدة، منذ إعلان تفكك الاتحاد السوفييتي، في 26 ديسمبر 1991م، تحولت إلى قطب مسيطر على مسرح السياسة العالمية، مع انتقال النظام العالمي من القطبية الثنائية إلى نظام القطب الواحد.

وكانت المرحلة الخطرة في ذلك النظام العالمي الجديد ظهور ما عرف بـ«مبدأ رامسفيلد»؛ وهي إستراتيجية عسكرية تبناها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد (تولى الوزارة عام 2001م حتى 2006م)، وترتكز على الاعتماد على قوات برية محدودة وسريعة الانتشار، مدعومة بالتكنولوجيا الفائقة والقوة الجوية الهائلة، وكان الهدف أن تمتلك الولايات المتحدة القدرة على خوض الحرب على جبهتين في وقت واحد والانتصار فيهما.

وقد تم تطبيق هذا المبدأ في أفغانستان والعراق، واستطاعت القوات الأمريكية احتلال البلدين وتدميرهما، لكنها لم تنتصر وخرجت بعد سنوات بخسائر ضخمة سياسياً واقتصادياً ولم تستطع تحقيق أهدافها.

السقوط بين الرومان والأمريكان

منذ حوالي 5 قرون، سعى الفيلسوف الفرنسي الشهير مونتسكيو لتحليل أسباب صعود وانهيار الإمبراطورية الرومانية، فأصدر كتابه «تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم»، عام 1734م، وأرجع الصعود الروماني الذي استمر قرابة 30 قرناً إلى قيم الحرية التي كانت متغلغلة، ومؤسساتهم السياسية والعسكرية المرنة.

كان الرومان في حروبهم وبعض من سياستهم يتبنون أساليب أعدائهم إذا كانت الأفضل، يقول مونتسكيو: ما جعل من الرومان أسياد الدنيا أنهم حاربوا الواحد تلو الآخر كل شعوب الأرض، وبعد كل مواجهة، كلما وجدوا أن أساليب العدو أنجع من أساليبهم، زهدوا على التو في هذه واعتنقوا تلك، ولو تأملت تلك الملاحظة العبقرية وقارنتها بـ«مبدأ رامسفيلد» في بناء إستراتيجية الانتصار على جبهتين في وقت واحد، ستدرك حجم تآكل القوة والقدرة الأمريكية، التي تخوض الصراع في أكثر من جبهة في وقت واحد، وتخوض معارك ضد النفوذ الصيني والروسي في قلب وعمق قارة آسيا من خلال حربها ضد إيران.

بين مركزية الحرب والاقتصاد

يؤكد مونتسكيو، في كتابه، أنه لم يكن الرومان أصحاب تجارة أو صناعة، ولكنهم كانوا مقاتلين أشداء، فكانت الحرب مصدر ثرائهم، وكان وضع نظام عادل لتوزيع غنائم الحرب من أسباب قوتهم، فقد كانت الغنائم تستخدم كأداة لتعزيز الانتماء والهوية لدى اليونانيين، وأدت الغنائم وتوزيعها العادل دوراً في تكريس نظام الحرب.

وإذا نظرنا إلى الحالة الأمريكية، فرغم أن الولايات المتحدة قد تكون أكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ الإنساني، فإن الاقتصاد هو العنصر المركزي في تلك الإمبراطورية، وعصب هذا الاقتصاد هو الطاقة من خلال السيطرة على منابعها بأدوات السيطرة المختلفة.

ولعل صراع الطاقة يحتل المكان الأبرز والأهم في الإستراتيجية الأمريكية في الصراع القائم، حيث ترغب واشنطن في التحكم في مصادر الطاقة النفطية في الخليج لتقييد النمو الاقتصادي والسياسي الصيني الذي بدأ يخرج عن عمليات الاحتواء، وهذا ما تدركه الصين وترى أنها هي الهدف الإستراتيجي للسياسة والحرب الأمريكية الحالية.

أما إيران فتدرك أن التهديد بحرمان الجميع من الطاقة؛ إنتاجاً ونقلاً بحرياً عبر مضيق هرمز، ورقة ضغط على الإمبراطورية الأمريكية، أكبر من كونه ورقة ضد طهران، فمركزية الاقتصاد، ومركزية النفط في القوة الأمريكية باتت مهددة من الناحية الإستراتيجية، وأن على الإمبراطورية الأمريكية الرضوخ.

يخبرنا التاريخ أن اقتصاد الإمبراطورية البريطانية كان يرتكز على المواد الخام من الشعوب التي كانت تحتلها بريطانيا، وعندما توقفت تدفقات تلك الموارد أفَلَت الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، ومن ثم إذا تراجعت أو نضبت الإمدادات النفطية عن الاقتصاد الأمريكي فإن الأفول المحتمل سيضرب تلك الإمبراطورية.

في دراسته التي نشرتها مجلة «التايم»، في ديسمبر 2018م، بعنوان «سقوط روما والدروس المستفادة لأمريكا» قالت: إن الخطر الأكبر الذي يواجه الجمهوريات العريقة كجمهوريتنا ليس الهجوم المفاجئ من قبل حاكم مستبد طموح، بل التآكل التدريجي لحصونها الثقافية والمؤسسية.

وقالت الدراسة: إن قصة الرومان القدماء تقدم درسًا قاسيًا للأمريكيين المعاصرين، فالدفاعات القوية التي تحمي الجمهوريات القديمة تتآكل تدريجيًا إن لم تُعزز بانتظام، وغالبًا ما يبدأ هذا التدهور بظاهرة مثل تفاقم عدم المساواة في الثروة، لكن لا توجد جمهورية أبدية، فهي تدوم فقط ما دام مواطنوها يرغبون في ذلك.

المفكر الأمريكي بول كيندي، في كتابه «نشوء القوى العظمى وسقوطها»، فيرى أن كل الإمبراطوريات تنتهي إلى فقدان تماسكها بفعل تأثيرات الزمن؛ أي أن عوامل التعرية تصيبها بفعل توالي السنين، فالإمبراطوريات تغدو وتروح مع الزمن، فلا ثبات للأبد لأي إمبراطورية.

درس كينيدي، في كتابه، القوى الدولية والإقليمية من العام 1500م، مركزاً على العلاقة بين الاقتصاد والإستراتيجية باعتبارهما ناموساً أو قانونا يحكم نشوء الإمبراطوريات وانهيارها، فالقوة والثروة متلازمتان في صلب أي إمبراطورية، فيقول: الثروة سلاح لدعم القوة العسكرية، والقوة العسكرية ثروة متنزه تتيح الحصول على الثروة وحمايتها.

ولعلنا نقف أمام حقيقة طرحها كيندي في كتابه، وربما تتيح لنا إمكانية التنبؤ بمستقبل الإمبراطورية الأمريكية في العقود القادمة؛ وهي أن التوسع المفرط؛ أي انتشار القوى العسكرية لتلك الإمبراطورية على مساحة واسعة من العالم سواء بالاحتلال أو القواعد العسكرية أو الحروب الكبيرة وذات التكلفة العالية اقتصادياً وبشرياً وسياسياً، يمثل تهديداً لتلك الإمبراطورية في حال رجحان كفة الإنفاق الهائل على كفة العائد الإستراتيجي والاقتصادي والسياسي، فإن تلك الإمبراطورية تبدأ بالدخول في مسار الانهيار الاقتصادي النسبي؛ أي أن الانهيار لا يأتي مباشرة، ولكنه مسار ممتد حسب التكلفة الهائلة التي تحملتها الإمبراطورية ولم تحصل على عائد يعوض تلك التكلفة.

استنزاف الهيبة

استنزاف الهيبة وتآكلها مؤشر على انحدار الإمبراطوريات، فالتاريخ يخبرنا أن جزءاً من قوة الإمبراطورية لا يرجع فقط إلى قوتها، ولكن إلى هيبتها، أو ما يسميه علماء السياسة بـقوة الردع، فعندما تفشل الدولة العظمى في إقناع الخصوم بأن تكلفة مواجهتها أعلى من فوائد الخضوع لها، يبدأ هيكل هيمنتها في التآكل.

واستنزاف الهيبة يؤدي في الكثير من الأحيان إلى لجوء الإمبراطورية إلى استخدام القوة، وهو ما يعني دخول الإمبراطورية في مواجهات مع قوى أصغر تستنزف قوة الإمبراطورية العسكرية والاقتصادية، فالهيبة والردع قوتها أن تلوح بالقوة دون أن تستخدما فعلياً، وفشل الردع معناه اللجوء إلى القوة.

الوجه المسكوت عنه لتآكل الهيبة تآكل القوة الطاغية للإمبراطورية، وكذلك التحسن النوعي لقوة المنافسين وقدرتهم على المواجهة والصمود والتحدي واستنزاف قوة الإمبراطورية، وهو ما يغري الكثير من القوى بالتفكير الجدي والعملي لمواجهة هيمنة القوة العظمى، وإستراتيجياً؛ فإن تآكل الهيبة وتراجعها خارجياً عرَض لضعف قوة الإمبراطورية وعجزها عن تحمل تكاليف الهيمنة.

لا توجد إمبراطورية أبدية

الإمبراطوريات في الغالب تضع الحروب نهاية لحياتها، لكنها مع السلم تتفسخ وتتفكك وتتجزأ ومع طول الزمن يكون الانهيار والتلاشي، مثل الإمبراطورية العثمانية التي اعتراها الوهن لقرون حتى أطلق عليها القيصر الروسي نيقولا الأول وصف «رجل أوروبا المريض» عام 1853م، لكن الانهيار جاء بما يقرب من 70 عاماً.

الأسباب الكامنة وراء انهيار الإمبراطوريات متعددة، فقد كتب المؤرخ الفرنسي جون باتيست ديروسيل كتاباً بعنوان «كل إمبراطورية ستزول»، ورأى أن الإمبراطوريات التي تنشأ من إرادة القوة والغزو تنطوي بطبيعتها على الحكم بالقوة، وإكراه الشعوب، والاستعباد، بل وحتى الإرهاب، والمصير المحتوم لهذه الهياكل، التي تنشأ عن الإفراط، هو الانهيار، ووضع ذلك المؤرخ قاعدة تقول: ما من إمبراطورية إلا وشأنها أن تبيد.



اقرأ أيضاً:

ترمب.. العنف المبكر!

كيسنجر وهندسة التربح السياسي

من رصاصة الاغتيال إلى مشنقة الحرية.. أمريكا تنتحر!

الهوامش
  • 1 مقولة لـشيشرون، خطيب روما القديمة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة