مجزرة التاج.. الشاهدة والشهيدة على إبادة غزة
بداية الحرب،
نزحت إلى منطقة كان البيت فيها يزيد عمره على 150 عامًا، وربما أكثر، فالخيارات
كانت محدودة جدًا، ورغم سماكة الجدران، فإنني شعرت أنها تزلزلت وكادت تسقط على
رؤوسنا من هول الانفجارات التي كانت أكبر بكثير من أن توصف بكلمة عنيفة.
كان من حولي
أطفال وكبار، ومن شدة الخوف الذي زلزل أجسادنا، كانت الأقدام لا تتحرك، والرعب
واضحًا على الملامح، وما كان يهدئ نبضات القلب إلا ذكر الله تعالى.
لم أعلم في ذلك
الوقت أين كان القصف بالضبط، لكنني كنت على يقين أن الأمر مزلزل، ويصعب وصفه جدًا.
مجزرة التاج.. الشاهدة على إبادة غزة
تبين بعد ذلك أن
مربع التاج السكني وسط مدينة غزة كان المستهدف؛ فقد قُصفت على رؤوس الأطفال
والنساء والرجال وكبار السن، وحتى الأجنة في أرحام أمهاتهن، بيوتهم التي كانوا
يظنون أنها آمنة.
أكثر من 20 طنًا
من المتفجرات كانت أكبر بكثير من أجساد الكبار، فكيف بالصغار؟ قصف بها الاحتلال
المكان بصواريخه الحاقدة!
عشرات الأشخاص
لم يعد لهم صوت، فقد استشهد الجميع، كل من كان هناك، لم تستطع فرق الإنقاذ فعل
شيء؛ فالمكان كان خطيرًا جدًا، والصواريخ لا تتوقف، وكانت الغارات شديدة وعنيفة.
3 سنوات تحت الركام!
أحداث مجزرة
التاج كانت في بداية حرب الإبادة عام 2023م، ومكثت فيها الجثامين تحت الركام 3
سنوات!
في المرحلة
الأولى، تم استخراج ما يقارب 200 جثمان، أما المرحلة الثانية، التي كانت قبل أيام
قليلة، فتم خلالها استخراج 105 جثامين بأدوات بسيطة، وبأيدي رجال الدفاع المدني
الذين يعملون بأقل الإمكانات.
المرحلة الأخيرة
لا تعني أن الجثامين جميعها استُخرجت، فهنالك أكثر من 200 جثمان تبخرت جراء شدة
الانفجارات، فلم يبقَ لها أثر.
وداع مؤلم.. ثقيل على القلب
قبل موعد الدفن،
توشحت الجثامين بالعلم الفلسطيني والشموع، في وداع كان ثقيلًا على قلب أسامة شرف؛
فقد ضمت الجثامين زوجته وأطفاله ملك، ومالك، وياسمين، ونور، ووالديه وأشقاءه
وشقيقاته وأعمامه وعائلاتهم، أي أكثر من 50 جثمانًا.
وقال مخاطبًا
الجثامين: اليوم نودعكم بعد انتظار دام 3 سنوات تحت الركام، وداعًا تأخر طويلًا،
ولم يتبق لنا فيه ملامح نودعها؛ وإنما عظام نحملها وننظمها للمرة الأخيرة.
الوجع لم يخيم
على قلبه فحسب، بل على عائلات كل من فقدوا أحبابهم.
ومن بين
الجثامين كان هناك جثمان صغير للطفل عبيدة، الذي لم يتجاوز عامًا من عمره، فقد
عُثر على بعض ألعابه ورضاعته التي تبقت من طفولته، لتكون شاهدة على أبشع مجازر
الإبادة التي شهدها قطاع غزة.
الحكاية لم تنتهِ بعد
الحكاية لم
تنتهِ بعد؛ فهنالك أكثر من 8 آلاف جثمان لا يزالون تحت الأنقاض، لم يتمكن رجال
الدفاع المدني من استخراجهم، فالإمكانيات بدائية وبسيطة أمام الحجم الهائل من
الركام، خاصة أن الكثير منها قريب من مناطق الخط الأصفر التي لا يُسمح بالاقتراب
منها، فالخطوة منها تقابلها الموت مباشرة من قبل صواريخ الاحتلال.
ولا تقف مأساة
العائلات عند فقد أحبابها، وإنما تمتد إلى الانتظار الطويل، وإلى البحث عن أثر أو
جثمان يمكن أن يمنحهم فرصة الوداع الأخير.
مجزرة التاج.. جثامين شاهدة وشهيدة
مجزرة التاج،
وغيرها من المجازر، ستبقى جثامين الشهداء فيها شاهدة وشهيدة على حجم وبشاعة
الاحتلال في حرب الإبادة على غزة.
فما بقي تحت
الركام ليس مجرد جثامين، وإنما حكايات عائلات وأطفال وبيوت وحياة توقفت تحت
الأنقاض، وذاكرة لا يستطيع الركام أن يمحوها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً