تشكيل الوعي..
محمد أفندي .. وخداع الشكليات!
إن هدي النبي
صلى الله عليه وسلم قائم على تحقيق المضمون، وعدم الركض وراء الشكليات، وهناك فرق
بين الشكليات والهدي الظاهر، الذي هو من جوهر الهدي النبوي، ولا يتنافى مع هديه صلى
الله عليه وسلم، لكن نعني بالشكليات ما يستغرق الوقت والجهد بدون فائدة، ويجعلها
معياراً ومقياساً جاداً على صلاح الأمور.
فعلى مدار 5
عقود، يتجدد الحديث بين جميع المدارس الإسلامية على اختلاف مشاربها في عالمنا
العربي حول 3 قضايا، تحولت إلى منصات في «علم الكلام» لإثبات الذات، والتفوق على
الآخر في قوة وحضور الدليل.
هذه القضايا
الثلاث تتجدد كل عام، ولا جديد فيها سوى الحديث وزيادة قطيعة مجتمعية وصلت إلى
أبناء المدرسة الواحدة.
يتصدر هذه
القضايا الثلاث صحة وجواز تهنئة المسيحيين في يوم الميلاد، وما أن تهدأ جمرتها،
حتى يتجدد الحديث عن صحة خروج زكاة الفطر مع دخول رمضان، وأيهما الأصح؛ العين أم
النقد، وبعد انتهاء رمضان، تظهر القضية الثالثة حول صحة الاحتفال بالمولد النبوي.
ودون الدخول في
السياق الفقهي لهذه القضايا، وما هو الراجح والمرجوح لدى العلماء، فإن الأخطر هو
الشرخ المجتمعي، الذي يتركه الجدل الفقهي عقب كل قضية، ومظنة كل شخص أنه الأحق في
الاتباع دون غيره، وهكذا تستمر القضايا سنوياً بهذه الكيفية، التي استمرت طيلة
عقود، كل مرة هي أول مرة، بنفس الحدة والاستقطاب.
تساؤلات
مشروعة
تتوارد على
الذهن عدة تساؤلات، وهي أنه بعد انتهاء شهر يناير، يعيش الناس 11 شهراً كمجتمع
واحد دون تعصب أو تشنجات، فما الذي يجعل هذه الحدّة تظهر بهذه القوة كل مرة،
ويختفي ظلها طيلة 11 شهراً، طالما أن دعاتها يرون أنها من جوهر العقيدة؟!
أيضاً عقب شهر
رمضان المبارك نعيش بعده 11 شهراً، دون الحديث عن قضية خروج زكاة الفطر، التي تظهر
بقوة كسابقتها، ثم تخفت مجدداً طيلة العام؟!
يبقى السؤال
المحير، لو سألت أي أحد من أبناء الحركة الإسلامية: ما أمنيتك الكبرى؟ فإنه لا
يتردد في «عودة الخلافة»، التي يريدها شكلاً ولا يحققها مضموناً؛ لأن الخلافة في
جوهرها دولة مؤسسات، وكانت قادرة على استيعاب جميع العرقيات وفيها ظهرت كل
التباينات، ولم تكن إقامة حدود فقط.
تحقيق الجوهر والمضمون
تتجلى عظمة
النبي صلى الله عليه وسلم سلوكياً وسياسياً في تحقيق المضمون، ففي صلح الحديبية
اختلفوا حول كتابة اسمه بدون لقب النبوة، فكتب اسم محمد؛ لأنه هو النبي حقاً، دون
النظر إلى الشكليات1.
وعندما بال
الأعرابي في المسجد استغرقوا في عقابه أو زجره، بينما كسر النبي صلى الله عليه
وسلم جفوة الأعرابي وعناده برفقه وقوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء» (متفق
عليه).
وعندما عطس أحد
الصحابة في الصلاة ورد عليه آخر بالقول: «يرحمك الله»، استغرقوا في نهيه وملاحقته
بأعين الزجر، بينما استوعبه صلى الله عليه وسلم فخضع لتربيته وعلمه، فقد روى
معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ عطس
رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما
شأنكم تنظرون إليَّ؟
فجعلوا يضربون
بأيديهم على أفخاذهم لكي أسكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو
وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا
ضربني، ولا شتمني، ثم قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما
هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (رواه مسلم).
ولما وجد صلى
الله عليه وسلم أحد الرجال يجلس إلى النسوة خلسة بحيلة منه، وتذاكروا فعلته،
استوعبه صلى الله عليه وسلم بمداعبته ورده إلى رشده2.
وعندما شرب آخر
الخمر وارتكبت أخرى الفاحشة، استعظم الجميع شناعة الفعلين، بينما كان النبي صلى
الله عليه وسلم أكثر اهتماماً بقلب الحالتين وطهارة نفسيهما وجوهرهما، إذ كانت
وقتهما أكثر رقة وشفافية، وقال عن صاحب الخمر: «إنه يحب الله ورسوله»، وعن مرتكبة
الفاحشة: «تابت توبة تكفي مدينته الشريفة».
فعظمة النبي صلى
الله عليه وسلم تكمن في تحقيق المضمون وعدم الاستغراق في الشكليات، التي بدورها
تأكل جهد الأشخاص، وتعيق أفكارهم، وتمرض نفوسهم.
محمد أفندي.. وخداع الشكليات!
روايات التاريخ
ذكرت لنا نماذج كمنت خطورتها في الاهتمام بالشكليات؛ ما أدى إلى نتائج كارثية، ومن
أشهرها قصة «شبتاي تسفي» المؤسس ليهود الدونمة.
تعتبر قصة "شبتاي تسفي" الذي أسلم، وتسمى باسم "محمد عزيز أفندي"، ومنحه السلطان العثماني منصباً شرفياً في القصر وهو "كابيجي باشي" (Kapıcıbaşı)، وهي كلمة تركية تعني "رئيس البوابين"، من أشهر النماذج، التي لا بد أن نقف عندها، ولا نتأثر بالشكليات، ويكون وعينا ودأبنا تحقيق المضمون.
كان "شبتاي تسفي"- محمد أفندي- قد استفحل أمره، وخشيت الدولة العثمانية من فتنة كبيرة، حيث اعتقله السلطان محمد الرابع عام 1666م.
اشتهر "شبتاي تسفي"» بأنه هو مؤسس يهود الدونمة، التي أسقطت الخلافة الإسلامية، حيث ادّعي
أنه سليل نبي الله سليمان عليه السلام، وقاد الحشود، وأن التطهير سيبدأ من القدس.(3)
وعندما انكشف أمره، وتم القبض عليه خيّر بين ثلاثة أمور: إثبات صدق دعواه، أو القتل، أو الدخول في الإسلام، ولم يكن أمامه إلا اختيار الدخول في الإسلام، وتلقب بـ«محمد»، والطامة أن السلطان العثماني جعله كبيراً لبوابي القصر.
وقد طلب "شبتاي تسفي" من السلطات أن تفسح له المجال ليدعو اليهود للإسلام، فوافقت على ذلك، لكن تم كشف
وثيقة بعد ذلك تضم جوهر تحركاته، أشدها خطورة مادتان يطالب في الأولى: اليهود
بالصبر على التزام شعائر الإسلام الظاهرة كالصوم والصلاة والأضحية، والثانية: يحرم
على اليهود تحريماً قطعياً مناكحة المسلمين.
وبهذه الحيلة
الساذجة انطال أمره على من يؤمنون بالشكليات، حتى قضى إربه وكان من أهم عوامل سقوط
الدولة العثمانية ورمزية الخلافة معها.
كما ذكرت روايات
التاريخ فداحة ما ارتكبه الفقهاء في أواخر دولة المرابطين، وكيف استغرقوا في
الشكليات وتقعروا في التنظير الفقهي؛ ما كان له أخطر الأسباب على انهيار الدولة
بكمالها، وزوال دولة سنية فتية4.
أيضاً، قدمت كتب
التاريخ قصة نموذجية في الاهتمام بالمضمون، وحاز إعجاب العبقري عمر بن الخطاب،
وثمّن ما فعله الصحابي عبدالله بن حذافة، حينما وقع أسيراً لدى ملك الروم فقال له:
هل لك أن تقبّل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبدالله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم، فقبَّل
رأسه، وعندما قدم بالأسارى على الفاروق عمر، وأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل
مسلم أن يقبّل رأس ابن حذافة وأنا أبدأ، فقبّل رأسه5.
اقرأ
أيضاً:
كيف وُظِّفت
القوة الناعمة في عصر الرسالة؟
حرب
«الترندات».. محركات البحث في عصر النبوة!
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً