محمد أسد.. وموقفه المبكر من التغريب

يعد محمد أسد (1900-1992م) أحد المفكرين المسلمين البارزين في العصر الحديث، بعد أن تخلى عن اليهودية واعتنق الإسلام عام 1926م، وغيَّر اسمه من ليوبولد فايس إلى محمد أسد، وقد جاب مختلف بلدان العالم الإسلامي بعد إسلامه وتعرف على الكثيرين من علمائه وقادته ومفكريه ومثقفيه، وانتهى به جولانه في قرطبة حيث عاش فترة من حياته قبل أن يلبي داعي ربه عام 1992م.

لقد جاء محمد أسد من المجتمع الغربي، وخرج من ثقافته وتقاليده، إذ ولد وعاش في النمسا، واختبر مختلف نواحي الحياة الغربية وعرف أسرارها وخلفياتها، وعندما انتقل إلى الإسلام أصبح لديه ميزان للحكم على الحضارتين، فكان بذلك متميزاً عن المفكرين المسلمين الذين لم يعرفوا من الحضارة الغربية إلا ظاهرها حتى ولو عاشوا طويلاً في المجتمعات الغربية، فليس من ولد من أصلاب أبوين غربيين يهوديين كمن ولد من أبوين مسلمين أو عربيين ثم تعرف على حضارة الغرب.

من ثمة، اتخذ محمد أسد في وقت مبكر موقفاً نقدياً من الحضارة الغربية، بل إنه انخرط في مواجهات فكرية مع دعاة تقليد الغرب، في فترة زمنية كانت فيها حضارته موضع إعجاب وانبهار من المفكرين والمثقفين المسلمين.

فخلال إقامته في لاهور بالهند، لاحظ في لقاءاته مع علماء الهند ومفكريها نوعاً من الميل إلى تقليد حضارة الغرب على مستوى عوائد الطبخ والأثاث المنزلي، وقارن بين تلك العادات الأوروبية الجديدة التي تسربت إلى المجتمع الهندي، والتخلي عن التقاليد المغولية والتركية والفارسية القديمة التي وصفها بالغنى والتنوع مقارنة بالعادات الأوروبية، وخلال تلك اللقاءات وتنقله بين المدن الهندية ومقابلته لعدد من المسلمين لاحظ انتشار اللباس الأوروبي.

كان ذلك بداية وعيه بالتناقض بين الدعوة إلى الإسلام وتقليد الغرب، فقد رأى أن المسلمين يدافعون عن دينهم ويسعون إلى خدمته ويُنشئون الجمعيات والمؤسسات، لكنهم في المقابل يتبنون التقاليد الأوروبية ويعيشون على النمط الأوروبي.

ويروي محمد أسد في القسم الثاني من سيرته بعد «الطريق إلى مكة»، القسم الذي نشر بعد وفاته تحت عنوان «الرجوع إلى النفس» الذي لم يترجم إلى اللغة العربية مع الأسف، أنه خلال إقامته في الهند في الثلاثينيات من القرن الماضي كان يتلقى دعوات من جمعيات مسلمة عدة لإلقاء محاضرات حول انتقاله إلى الإسلام.

وفي واحدة من تلك المحاضرات في لاهور عام 1933م بدعوة من جمعية كانت تحمل اسم «جمعية حماية الإسلام»، تحدث محمد أسد عن خصائص ومميزات كل من الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، ولاحظ أن حضارة الإسلام ولدت بشكل ذاتي، بينما انبثقت حضارة الغرب من المبادئ المادية الرومانية المختلطة بمسيحية القرون الوسطى المتأثرة بثنائية النور والظلمة، وخلص إلى أن تعاليم القرآن الكريم لا يمكن أن تتصالح مع ثقافة تجعل الإنسان مركز الكون، وتدور حول النزعة الاستهلاكية، وفقدت كل رابطة مع القيم الروحية.

ويمضي محمد أسد فيقول: إن أفكاره تلك واجهت بعض الانتقادات من عدد من المسلمين الهنود الذين رفضوها، وإن محاضرته أثارت جدلاً واسعاً؛ ما دفعه إلى التفكير في نشر كتاب يشرح فيه أطروحته بوضوح، فكان ميلاد كتاب «الإسلام في ملتقى الطرق» الذي نشر لأول مرة عام 1934م.


قوبل هذا الكتاب بترحيب واسع في الدول الأوروبية وفي العالم الإسلامي، وبالأخص في الهند، ونال إعجاب الفيلسوف الهندي - الباكستاني محمد إقبال، قبل نشأة دولة باكستان، وترجم إلى مختلف اللغات المحلية بما في ذلك اللغة العربية.

وقد أبرز محمد أسد في هذا الكتاب الطابع المميز للحضارة الإسلامية والاختلافات الجوهرية بينها وبين الحضارة الغربية المادية، ودعا إلى تبني القيم الإسلامية على مستوى نمط الحياة والتفكير والسلوك، وحذر من الانجرار خلف حضارة الغرب، معتبراً أن الإسلام يوجد في ملتقى طرق حضاري وعلى المسلمين أن يختاروا الطريق الأنسب لبناء حضارتهم الحديثة.

لقد بلور محمد أسد أطروحته العميقة تلك استناداً إلى خبرته الطويلة بالحضارة الغربية وثقافتها، واحتكاكه بالنخبة الأوروبية، واطلاعه الواسع على منتجاتها الفكرية والأيديولوجية والفلسفية، والأكثر من ذلك دراسته لكل من اليهودية والمسيحية ومقارنتهما بالقرآن الكريم، وما أحوج المسلمين إلى إعادة قراءة هذا الرجل من جديد، في زمن زحف فيه التغريب أكثر فأكثر بعد نحو قرن من ذلك الكتاب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة