مراجعة كتاب «أفخم فندق في كابول» للصحفية ليز دوسيت

جمال خطاب

28 سبتمبر 2026

51

مراجعة كتاب «أفخم فندق في كابول» للصحفية ليز دوسيت

في أدب الاستقصاء والتاريخ السياسي، نادراً ما نجد مكاناً حافلاً بالمتناقضات كما هي الفنادق التاريخية في مناطق النزاع، الفندق في أوقات الحروب ليس مجرد كتلة من الإسمنت والأسقف المزخرفة، بل هو مسرح مكثف تتقاطع فيه مصالح الجواسيس، والدبلوماسيين، والصحفيين، والقادة، وحتى العمال البسطاء الذين ينظفون غبار المعارك عن السجاد الفاخر كل صباح.

في كتابها الاستثنائي «أفخم فندق في كابول»، تأخذنا الصحفية البارزة والمديرة الدولية لمراسلي شبكة «بي بي سي» ليز دوسيت في رحلة توثيقية يمتد سيرها لعدة عقود، لتسرد تاريخ أفغانستان الحديث لا من خلال الوثائق الأرشيفية ولا عبر خطابات السياسيين، بل عبر سيرة فندق «إنتركونتيننتال كابول» الذي افتتح عام 1969م على إحدى تلال العاصمة الأفغانية، ليغدو منذ لحظة تشييده الأولى مرآة عاكسة لكل التحولات والانتكاسات التي عصفت بالبلاد.

من القاع إلى القمة

يتجلى ذكاء دوسيت في خيارها السردي الجميل؛ فهي لا تقف في برج عاجي كصحفية غربية تُحلل الصراع الأفغاني بلغة رقمية أو سردية باردة، بل تهبط إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الفندق، تقسم الكاتبة العمل إلى محطات زمنية تتوازى فيها الحوادث التاريخية الكبرى التي شهدتها أفغانستان مع ما كان يجري داخل أروقة الفندق.

تبدأ القصة في أواخر الستينيات، في عصر أفغانستان المنسي؛ عصر الملوك، والشوارع الهادئة، والسياح الأجانب الذين ينزلون في الفندق للتمتع بجمال جبال هندو كوش، كان الفندق حينها رمزاً للتحديث من وجهة النظر الأوروبية مملوء بحفلات الزفاف الباذخة، والموسيقى الحية، لكن هذا التحديث على النمط الأوروبي لم يدم.

في أواخر السبعينيات، ثم الاجتياح السوفييتي عام 1979م، وبدأت جدران الفندق تتغير، تحول الفندق من ملتقى للنخب والأجانب إلى مقر لإدارة الأزمات، ومأوى للصحفيين الدوليين الذين جاؤوا لتغطية الحرب ضد السوفييت، ثم سريان الحرب الأهلية الدامية في التسعينيات بين فصائل المجاهدين؛ حتى تعرض الفندق نفسه للقصف المباشر، وتداعت جدرانه، وانقطعت عنه الكهرباء والماء، ومع ذلك ظلت أبوابه مفتوحة!

في قلب الركام

القيمة الأدبية والإنسانية الكبرى في كتاب دوسيت لا تكمن فقط في التوثيق السياسي، بل في الشخصيات التي بعثت الكاتبة فيها الحياة، فقد ابتعدت عن التركيز الحصري على الشخصيات الشهيرة التي أقامت في الفندق، لتركز بدلاً من ذلك على العمال والموظفين في الفندق، منهم:

  • الطهاة الذين كانوا يبتكرون وجبات من أقل المكونات المتاحة تحت النار وقصف المدافع.
  • موظفو الاستقبال الذين احتفظوا بسجلات النزلاء رغم تغير الأنظمة الحاكمة؛ من الشيوعيين إلى المجاهدين، ومن ثم حركة «طالبان» في ولايتها الأولى (1996-2001م)، إلى القوات الأمريكية الغازية، ثم عودة «طالبان» مجدداً بعد انتصارها وانسحاب الأمريكيين في عام 2021م.
  • المهندسون والحراس الذين خاطروا بأرواحهم لحماية المبنى وإبقاء مولدات الكهرباء تعمل في أحلك الظروف.

ومن خلال قصص هؤلاء العمال، استطاعت الكاتبة أن تحول الفندق إلى كائن حي يتنفس ويمرض ويقاوم، هؤلاء هم الذين يمثلون الصمود الأفغاني الحقيقي؛ وهم الذين يغيرون الأعلام المرفوعة على سطح الفندق وفقاً لمن يسيطر على كابول، لكنهم بقوا ثابتين في أماكنهم، يخدمون الإنسانية وسط تكالب المعتدين على بلاد الأفغان.

دماء وأشلاء

لا تغفل دوسيت الجوانب المأساوية المروعة التي شهدها الفندق، فقد كان «إنتركونتيننتال» هدفاً رئيساً لهجمات وعمليات مسلحة بحكم رمزيته الدولية، تستعرض الكاتبة بالتفصيل الهجوم الشهير عام 2011م، والهجوم الأكثر دموية عام 2018م الذي نفذه مسلحون واستمر لساعات طويلة، وأسفر عن مقتل عشرات النزلاء والموظفين.

وتسرد الكاتبة هذه اللحظات بإيقاع سينمائي متوتر؛ فتصف الاختباء تحت الأسرة، والركض في الممرات المظلمة، وصوت إطلاق النار الذي يتردد صداه في البهو الرخامي، لكنها لا تستخدم العنف للإثارة، بل لتبين كيف يتحول هذا الصرح الذي بني للراحة إلى مصيدة للقلق والموت.

ولا تنسى الكاتبة أن تسرد كيف تعود الحياة إلى الفندق مجدداً بعد كل هجوم بفضل إرادة العاملين الذين ينظفون آثار الدماء ويصلحون الثقوب في الجدران في كل مرة ليبدؤوا من جديد.

كاتبة متميزة

تتميز لغة دوسيت بالدفء والتعاطف العميق مع الشعب الأفغاني، بحكم عملها الميداني لعقود في أفغانستان، فتتحدث بلسان العارف بخبايا المجتمع والنسيج القبلي والثقافي، ولغتها ليست مجرد تقارير إخبارية، بل هي نثر أدبي جميل يمتزج فيه التحليل الإستراتيجي بالتصوير الإنساني.

وتنتقد الكاتبة انتقاداً ضمنياً وبذكاء السلوك الغربي والدولي في أفغانستان؛ وتوضح كيف كان الأجانب ينظرون إلى البلاد من خلال نافذة الفندق المكيفة، مفصولين عن الواقع المعقد خارج الأسوار، وكيف أدى هذا الجهل بالواقع إلى انهيار كل المشروعات السياسية الخارجية المرة تلو الأخرى.

دراسة اجتماعية ونفسية لمعنى البقاء في أوقات الشدة

إن كتاب «أفخم فندق في كابول» ليس مجرد كتاب تاريخي أو مذكرات صحفية؛ ولكنه دراسة اجتماعية ونفسية لمعنى البقاء في أوقات التفكك الوطني، فقد نجحت دوسيت في تحويل بناء أسطواني من الإسمنت إلى مأساة إغريقية مصغرة اختصرت فيها قصة وطن كامل لم يعرف الهدوء منذ نصف قرن.

يعتبر الكتاب وثيقة تاريخية وإنسانية شديدة الأهمية، يوصى بها لكل من يستمتع بأدب الاستقصاء التاريخي، ولكل من يريد فهم أفغانستان بعيداً عن عناوين الأخبار المبتذلة، من خلال قصة فندق رفض أن يغلق أبوابه بينما كان العالم من حوله يغلي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة