مراجعة هادئة لفكرة «الأسلمة» بعد حوار صديق
عقب مقالي الأول
عن «الأسلمة»، كتب صديقي معلقاً: «لاحظتُ أنك تحاول أن تُنزِل كلمة الأسلمة من
برجها العالي إلى الشارع والبيت والابتسامة والطريق، وهذا جهد طيب يشبه غسل الغبار
عن شعار مثقل بالتوظيف السياسي والمذهبي.
لكن اسمح لي
بلمسة حانية من محب: ما وصفته أنت –من أمانة ونظافة ورحمة وحياء– هو أخلاق الإنسان
قبل أن يكون «مشروع أسلمة».
هذه القيم يشترك
فيها المؤمن والملحد، المتدين والعادي، الشرقي والغربي.
أما «الأسلمة»
في واقع الحركات والتيارات، فليست حلمًا أخلاقيًا، وإنما مشروع تشريعي وهوياتي
يريد أن يعيد صياغة المجتمع بقوة القانون والنص، لا بقوة الابتسامة والنزاهة
الأخلاقية فقط.
أخشى أن يكون في
مقالك قدر من التجميل غير المقصود؛ فأنت تهدي القارئ وردة، بينما الشعار نفسه –تاريخيًا
وعمليًا– كان دائمًا أكبر وأثقل من وردة.
كان يعني
الشريعة بديلاً عن القانون، والعقيدة الجامعة بديلاً عن التعددية الدينية
والثقافية، والهوية بديلاً عن المواطنة.
ولذلك، يا
صديقي، لعل الأجمل أن نفصل بين أمرين؛ بين أن نحلم بمجتمع أخلاقي راقٍ، وأن نسمي
هذا الحلم «أسلمة»، وهي كلمة محمَّلة بما لا تريد أنت قوله.
أقدّر هدفك
النبيل، لكن هذا التقدير لا يمنعني من أن أذكّرك بأن الجمال الأخلاقي لا يحتاج إلى
لافتة دينية كي يزدهر، بل يكفيه أن يكون إنسانيًا صادقًا».
بين وردتي وصديقي
لم أكن أنوي أن
أكتب الجزء الثاني من المقال، كنت أظن أن الفكرة واضحة؛ أن «الأسلمة» ليست مشروع
دولة ولا صراع قانون، بل «نسمة» تسري في الأخلاق اليومية.
لكن تعليق صديقي
–الذي وضع وردة على الطاولة ثم سلّط ضوءًا عليها من زاوية لم أرها– فتح بابًا لم
يكن مفتوحًا.
لم أقرأ كلماته
كاعتراض، بل كمرآة، مرآة تقول لي بهدوء: «انتبه، ربما كنتَ تُنقذ كلمة من سطحها،
بينما حقيقتها –في تاريخ استخدامها– أعمق وأثقل مما ظننت».
وأنا، بطبعي، لا
أهرب من المرآة، بل أقترب، وأعيد ترتيب الصورة، لذلك، كان هذا المقال، ليس ردًا
على تفنيد صديقي، بل اكتمالًا للصورة.
فالحديث عن
«أسلمة المجتمع» لا يكتمل إذا لم نعترف أولًا أن الكلمة نفسها خرجت من ألسنة
الحركات بأكثر مما أردته أنا لها بكثير.
الكلمة.. ثقيلة وخفيفة
الكلمة –قارئي
العزيز– كائن حي يتغيّر حسب من يحملها، ولسنوات طويلة، حملت التيارات الإسلامية
كلمة «الأسلمة» على أكتاف ثقيلة: أسلمة القانون، أسلمة الدولة، أسلمة الفضاء
العام، أسلمة التشريع، أسلمة الهوية.
وبالتالي، أصبح
للكلمة ظلّ سياسي لا يمكن إنكاره، أصبحت تشير –نفسيًا واجتماعيًا– إلى مشروع فوقي،
مشروع يريد أن يعيد صياغة المجتمع من الأعلى نحو الأسفل.
وفي هذا، صديقي
لم يخطئ، بل وضع يده على الجرح اللغوي.
لكن المشكلة
ليست في «القيم» التي سخرتُها أنا للكلمة، المشكلة في تاريخ الكلمة نفسه!
تاريخ ملتبس
يجعل كل استعمال لها محمّلًا برواسب قديمة، حتى لو أردتُ أنا أن أقدّمها من زاوية
أخرى.
هل يعني هذا أن
الكلمة يجب أن تُلغى؟ أم أننا بحاجة إلى تفكيكها ثم إعادة بنائها؟
هنا يبدأ الحوار الحقيقي
صديقي قال: إن
القيم التي ذكرتها هي «قيم الإنسان» قبل أن تكون «أسلمة»، وهذه حقيقة، فالأمانة،
والحياء، والنظافة والعدل، والرحمة، وإتقان العمل قيم إنسانية وستظل كذلك.
لكن، هل كونها
قيمًا إنسانية يمنع أن يكون لها روحٌ خاصة في سياق ديني؟ هل إنسانية القيمة تلغي
«لونها» حين تدخل ضمير المسلم؟
الأمانة موجودة
عند البوذي، لكن حين يمارسها المسلم، يشعر أنه يمارس عبادة.
الحياء موجود
عند الملحد الراقي، لكن المسلم يراه «نورًا وسكينة».
إذن القيمة
إنسانية نعم، لكن تجذيرها في الضمير الإسلامي يمنحها «معنى زائدًا» لا يملك أحد أن
يسلبه منها.
وليس معنى هذا
احتكار القيم، بل منحها امتدادًا روحيًا يجعلها أكثر قابلية للثبات في مجتمع يؤمن
بالوحي ويعيش به.
نتركها أم نعيد تعريفها
وهنا أصل إلى
جوهر الفكرة: صديقي يرى أن «الأسلمة» يجب أن تبقى بعيدًا، لأنها كلمة محمّلة بما
لا أقصده أنا.
أما أنا فأرى أن
الكلمة فقدت معناها الحقيقي عندما أصبحت مشروعًا سياسيًا، وأن إعادتها إلى أصلها
ليست «تجميلًا»، بل تصحيحًا.
حين أقول:
«أسلمة العادات»، لا أقصد أسلمة الدولة، ولا أسلمة القانون، ولا أسلمة المجتمع
بالقهر، بل أقصد ردّ الكلمة إلى جذورها الأولى، قبل أن تلتقطها السياسة.
فأسلمة العادات
عندي معناها أن يعيش المسلم القيم الإنسانية ذاتها، لكن بروحه، وبضميره، وبمنظوره
الذي يراه مرتبطًا بالله لا بالقانون.
وهنا الفرق بين
مشروع «الأسلمة السياسية»، ومشروع «الأسلمة السلوكية»، فالأول يريد أن يغيّر من
الأعلى، الثاني يريد أن يغيّر من الداخل.
حوار لا مناظرة
الحوار مع صديقي
لم يكن جدلًا، بل كان اكتشافًا، اكتشاف أن الكلمة –قبل الفكرة– تحتاج منا إلى
عناية لغوية، ولذلك أقول له الآن: نعم، القيم إنسانية، ولا تحتاج بطاقة هوية دينية
كي تزدهر، ونعم تاريخ كلمة الأسلمة ملتبس ومحمّل وذو ظلال سياسية.
لكن، إن تركنا
الكلمة لأن أهل السياسة حمّلوها فوق ما تحتمل، فسنخسر القدرة على إعادة تهذيب
الفكر، وردّ المصطلحات إلى أصلها، ومصالحة الهوية مع الإنسان، وربط الأخلاق بالروح
بدل ربطها بالشعارات.
إن مهمتنا ليست
أن نهرب من الكلمات، بل أن نعيد لها وظيفتها الأصلية؛ وهي التعبير عن جوهر
الإنسان، لا عن ضجيج السياسة.
من وردة إلى شجرة
تعليق صديقي كان
وردة، لكنه جعلني أرى الشجرة كاملة، فالحلم الذي أريده ليس «أسلمة» كما ظهرت في
كتب الجماعات، ولا «أسلمة» كما فهمها خصوم الإسلاميين، بل «أسلمة» تعود إلى معناها
الأول؛ إضفاء روح الإسلام على القيم الإنسانية المشتركة.
هي ليست ادّعاء
ملكية الأخلاق، بل رغبة في أن تعيش هذه الأخلاق في مجتمع مسلم بعمق أشدّ، وبثبات
أطول، وبجذر متين، وأرض سبخة تغذيها، وبتواصل روحي يُشعر الإنسان أنه لا يفعل
الخير لأنه مواطن صالح فقط، بل لأنه عبد صالح أيضًا.
هذه –وحدها– هي
الفكرة التي أريد أن أحرسها؛ أن نجعل الأخلاق جسرًا بين الإنسان ودينه، لا ميدانًا
للصراع بين الدين والإنسان.
وهكذا يصبح
الحوار بيني وبين صديقي ليس نهاية خلاف، بل بداية مراجعة، وبداية مشروع، وبداية
نقطة جديدة في فهم كلمة أثقلتها السياسة، ونريد نحن –بقلوبنا– أن نخفّف عنها لنردّها
إلى أصلها؛ سلوكًا صغيرًا يصنع أمة كبيرة.
اقرأ
أيضاً:
«الإيدز الحضاري».. انهيار حارس البوابة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً