مستويات التعبير الشعري عن «خيانة الوطن» في شعر أمل دنقل
مستويات التعبير الشعري عن «خيانة الوطن» في شعر أمل دنقل
انهيار الأحلام الكبرى
كان الشاعر المصري أمل دنقل (1940 - 1983م)
مهمومًا بقضايا الأمة العربية، ومتطلعًا لأحلام الوحدة القومية، ومع انهيار هذه الأحلام
الكبرى وتلاشيها في أعقاب هزيمة يونيو 1967م، فضلاً عن ضياع الأرض العربية وتهويدها،
ثم عقد معاهدات مجحفة، مع هذه التداعيات كلها بدا شعره أكثر قتامة وسوداوية، ومضى يعبر
عن أوجاع الهزيمة، ومرارات انحسار الحلم وتبدده.
وهو في ثنايا هذا الطرح الشعري القاتم لا
يفتأ يعبر عن «خيانة الوطن» عبر مستويات أسلوبية وفنيّة متعددة، بداية من تصريح واضح
هو أدنى ما يكون من المباشرة، ووصولاً إلى إسقاط رمزي مركّب.
التنكر للمناضلين
ومن المستويات المباشرة في التعبير عن الخيانة:
إبراز ما يكون من «تشويه صورة السلطة لصورة المناضل، والتنكّر لنضاله»، يقول الشاعر
متقمّصًا صوت المناضل الذي يتحدث إلى وطنه:
اذْكُرِينِي، فَقَدْ لَوَّثَتْنِي العَنَاوِينُ
فِي الصُّحُفِ الخَائِنَهْ!
اِذْكُرِينِي إِذَا نَسِيتْنِي شُهُودُ العِيَانِ،
وَمُضْبَطَةُ البَرْلَمَانِ، وَقَائِمَةُ التُّهَمِ المُعْلَنَهْ!
ونراه في موضع آخر وهو يصوّر الجندي الذي
تخلى عن مسؤوليته النضالية ليكون في خدمة قادته العسكريين، ويكون نضاله حمايةً لهم،
عوضًا عن حمايته للوطن:
قُلْتُ لَكُمْ فِي السَّنَةِ البَعِيدَهْ
عَنْ خَطَرِ الجُنْدِيِّ، عَنْ هِمَّتِهِ
القَعِيدَهْ
يَحْرُسُ مَنْ يَمْنَحُهُ رَاتِبَهُ الشَّهْرِيَّ
وَزِيَّهُ الرَّسْمِيَّ
لِيُرْهِبَ الخُصُومَ بِالجَعْجَعَةِ الجَوْفَاءِ،
وَالقَعْقَعَةِ الشَّدِيدَهْ
لَكِنَّهُ إِنْ يَحِنِ المَوْتُ فِدَاءَ الوَطَنِ
المَقْهُورِ وَالعَقِيدَهْ
فَرَّ مِنَ المِيدَانِ
الأمثولة الشعرية الرمزية
على أن الشاعر يتجاوز هذا الإفضاء الشعريّ
المباشر، ليمضي نحو مستوى تعبيريّ جديد، معتمدًا على الأمثولة الشعريّة الرمزيّة، حيث
يجد فيها متَّسعًا أَوْفَى للإفضاء، ومساحةً أكبر للإدانة، فهو، على سبيل المثال، يضع
القيادة السياسية في موضع الخيانة، بشكل غير مباشر، عندما يصوّر تلك الخيانة والتخاذل
صادرة عن القادة التاريخيين في فترات الضعف والركود السياسي، وهم -تبعًا لدورهم التاريخي
الواقعي الذي يتخذه الشاعر رمزًا- قد تخلوا عن مسؤولية النضال، فهو مثلاً يتحدث مُتقنِّعًا
بقناع المتنبي الماثل بين يدي كافور الإخشيدي:
وَجَدْتُ هَذَا السَّيِّدَ الرَّخْوَا
تَصَدَّرَ البَهْوَا
يَقُصُّ فِي نَدْمَانَهِ عَنْ سَيْفِهِ الصَّارِم
وَسَيْفُهُ فِي غِمْدِهِ يَأْكُلُهُ الصَّدَأْ!
كما يتحدث عن تخاذل الحاكم المصري خمارويه
عن نصرة الأميرة المأسورة قطر الندى التي يتخذها الشاعر في قصيدته رمزًا للوطن السليب
المـُغتصب:
قَطْرُ النَّدَى يَا مِصرْ
قَطْرُ النَّدَى فِي الأَسرْ
كَانَ خُمَارَوَيْهِ رَاقِدًا عَلَى بُحَيْرَةِ
الزِّئْبَق
فِي نَوْمَةِ القَيْلُولَة
فَمَنْ تَرَى يُنْقِذُ هَذِهِ الأَمِيرَةِ
المَغْلُولَةَ؟
مَنْ يَا تَرَى يُنْقِذُهَا؟
بِالسَّيْفِ أَوْ بِالحِيلَة؟
السلبية من ضروب الخيانة
وعلى جانب آخر، يرصد الشاعر موقفًا طبَقِيًّا
سلبيًّا من طبقة ثريّة مُرفهة، وهذه السلبية إنما هي -في واقع الأمر- ضرب من ضروب الخيانة،
فهي بمثابة تخلٍّ عن النضال، وانشغال بسفاسف الأمور في وقت عصيب يستلزم التأهُّب والتحفّز
والاستعداد الدائم لمواجهة خطر وشيك يكاد يقرع الأبواب، وهذه السلبيّة والانهزامية
تظهر دائمًا مُبْرَزَةً في موضع التوازي مع نموذج إيجابي لإبراز المفارقة، وقد يكون
هذا التوازي بشكل واقعيّ منقول من سيرورة الحياة اليوميّة في صورتها العصريّة على هذا
النحو الذي ينقل فيه الشاعر تعليق سيدتين ثريّتين مرفّهتين على جموع الطلاب الثائرين
المعتصمين في الميدان يطالبون بالحرب وتحرير الأرض المُغتَصَبة، يقول الشاعر:
دقّتِ الساعةُ القاسيهْ
وقفوا في ميادينها الجهْمةِ الخَاويهْ
واستداروا على دَرَجاتِ النُّصُبْ
شَجَرًا من لَهَبْ
تعصفُ الريحُ بين وُريقاتِه الغضَّةِ الدانية
فَيئِنُّ: «بلادي.. بلادي»
بلادي البعيدةْ
دقت الساعةُ القاسيةْ
«انظروا».. هتفتْ غانيةْ
تتلوى بسيارة الرَّقَمِ الجُمركيِّ، وتمتمتِ
الثانيةْ
سوف ينصرفونَ إذا البَرْدُ حلَّ.. ورانَ التَّعب
النضال في مقابل الانهزامية
إن الصورة الشعريّة التي يقدمها هذا النموذج
ليست قائمة على التصوير المجازي، وإنما هي مجرد وصف سردي مباشر لموقفين متوازيين، حيث
يوضع «النضال» في مقابل «الانهزامية والسلبية»، فضلاً عن إبراز هذا الموقف الانهزامي
السلبي مُثَبّطًا وساخرًا، ويوظّف الشاعر اللغة بشكل يثري الدلالة بالعدول عن ألفاظ
عصريّة من قبيل: سيدة، امرأة، فتاة.. إلخ، إلى مفردة «غانية» التي تحمل في أبعادها
التراثية الدلالة على «الاستغناء بالجمال والثراء»، كما تحمل في أبعادها العصريّة الدلالة
على «راقصة في ملهى ليلي»، وهذا الثراء الدلالي يتضمن الهجوَ السياسي بإبراز التفاوت
الأخلاقي بين طبقتين؛ إحداهما شعبيّة شريفة مناضلة، والأخرى مخمليّةٌ وضيعة مُنحطّة!
زرقاء اليمامة رمز الصفوة المثقفة
وفي قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»،
يتخذ الشاعر من «زرقاء اليمامة» رمزًا للصفوة المثقفة، التي تحذِّر بني جلدتها من مكائد
العدو، ولا يخفى على القارئ أنه يستعير الأسطورة العربية القديمة لزرقاء اليمامة التي
كانت حادة البصر، وكان في وسعها رؤية الأعداء وهم على مسيرة أيام من قومها، فكانوا
في مأمن من مباغتة غزوهم؛ على أنهم حين استهانوا بنصحها بوغتوا وهُزموا، وكان من جرَّاء
تلك الهزيمة النكراء أسر زرقاء اليمامة، واقتلاع عينيها.
وتظل تلك الطبقة الثريّة الغافلة عن النضال
وهي منغمسة في لهوها وملذاتها؛ تظل موضع هجو وانتقاد من الشاعر حين يكون الطرف الموازي
تمثيلاً رمزيًّا لموقف النضال والكفاح، فهو يضعها -أيضًا- في موضع التوازي مع صورة
زرقاء اليمامة بعد اقتلاع عينيها:
هَا أَنْتِ يَا زَرْقَاء
وَحِيدَةٌ.. عَمْيَاء
وَمَا تَزَالُ أُغْنِيَاتُ الحُبِّ.. وَالأَضْوَاء
وَالعَرَبَاتُ الفَارِهَاتُ.. وَالأَزْيَاء!
رمزية موت خالد بن الوليد
وعلى النحو ذاته، يبدو هجاء تلك الطبقة المخملية
المرفّهة في قصيدة «الموت في الفراش» متداخلاً مع الأمثولة الشعريّة التي تتخذ رموزَ
البطولة من تراثنا العربي، فالموت في الفراش يُستحضر فيه الصحابي الكريم خالد بن الوليد،
الذي يشعر بالأسى لموته في فراشه دون أن يكون شهيدَ واحدةٍ من المعارك التي لا تُعدّ
ولا تحصى، تلك التي خاض غمارها منتصرًا شامخًا، ونحن نراه في هذه القصيدة وهو ينعى
موته في الفراش مجددًا؛ لكنها موتة عصريّة في زمن عصيب، موتة يجددها تخاذل تلك الطبقة
الثرية الغافلة:
«أَمُوتُ فِي الفِرَاشِ مِثْلَمَا تَمُوتُ
العِير»
أَمُوتُ، وَالنَّفِير
يَدُقُّ فِي دِمَشْق
أَمُوتُ فِي الشَّارِعِ: فِي العُطُورِ وَالأَزْيَاء
أَمُوتُ، وَالأَعْدَاء
تَدُوسُ وَجْهَ الحَقّ
«وَمَا بِجِسْمِي مَوْضِعٌ إِلَّا وَفِيهِ
طَعْنَةٌ بِرُمْحْ
إِلَّا وَفِيهِ جُرْحْ»
تعبر القصيدة عن الموت العصريّ المُستحدث
للرمز الشعري التراثي القديم خالد بن الوليد، فهذا البطل التاريخي بأبعاده الدينية
البطوليّة، وبما يعبر عنه من صور النضال والجهاد يموت مجدّدًا، وتتداعى إلى جسده طعنات
رماح عصريّة، وأوجاع جراح أدماها زماننا الرديء، وهو يموت في «العطور والأزياء»، وهذا
إيجاز وتكثيف شديد يستحضر حياة تلك الطبقة الثريّة من خلال المجاز الجزئيّ، فالعطور
والأزياء جانب بارز من جوانب تلك الحياة المرفَّهة، وهي الجانب الأكثر دلالة على الخيانة،
وليس الانتقاد -بطبيعة الحال- للثراء المحض في حد ذاته، وإنما هو انتقادُ الانشغال
بهذا الثراء عن دواعي النضال، والانغماس في مظاهر اللذة والمتعة في أوج المحنة الوطنية
الكبيرة.
ومن تبعات هذا المجاز الهجو من خلال إبراز الجانب الشكلي المحض الذي تبرزه «العطور والأزياء»، دون التعويل على مكنون الشخصيّة وجوهرها الفكري والعقلي، فهذه الطبقة مجرد خواء شكلي خالص!
اقرأ أيضاً:
«لا تصالح».. قصيدةٌ تُزهر تحت القصف
أمل
دنقل شاعر البسطاء والمهزومين.. بريق "لا" الشعرية في أزمنة الانحطاط
العربي
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً