مشروب ساخن على طاولة المبدعين (5).. لا تنتظر القنبلة!

إبداع على رف الانتظار

إن كانت العجلة في التصدُّر من أكبر مُطفئات الوهج ومعطِّلات الطريق، وقد سبق الحديث عنها في السلسلة، لكن هناك جانبًا معاكسًا إذا استقر في نفس الكاتب وصار خيارًا متاحًا له في تعامله مع إبداعاته، يكون الأمر أشد عليه من العجلة وأسوأ نتيجة من التصدر السريع، وأقصد هنا البطء والتأني المبالغ فيهما عند التفكير في تحريك العمل – مقالًا كان أو قصة أو مسرحية أو قصيدة أو رؤية إبداعية أيًّا كانت – من موضعه على أرفف الكاتب إلى ساحة الاختبار أمام الناس وأنظارهم والتعرض الشجاع لآرائهم أيًّا كانت. لكن بالاختباء والاختفاء يخطئ المبدع في حق نفسه ويحكم على إبداعه بالسجن المشدد في أدراجه سنوات طويلة، مدفوعًا بهاجس سقوط البداية، ورغبة في تجنب المواجهة الموجعة التي قد يباشرها النقد الصريح.

وأعرف بشكل شخصي مبدعًا أربعينيًّا كتب نحو سبعة أعمال روائية، وكان كل مرة يتراجع عن نشر عمله، بل يرفض عرضها على عين أخرى وهي على حالها، ومضت السنوات، وراكمها عنده ووضع مخطوطاتها في رف خاص في حجرته، وكلما نصحه أحد مقربيه أن يُفرج عنها وينشرها ليجرب حظه، أبى وقال بثقة العباقرة: الفرصة الكبيرة آتية، لكن يحن موعدها بعد. فمثل هذا لم يختبر قلمه، ولن يتح له ذلك، ولن يستطيع اكتشاف موقعه على خريطة الإبداع، فهو بهروبه المبالغ فيه لم يذق هم التجربة، وورطة الاستماع المتواضع لآراء القراء، ولا غامر بإهداء كتابه لناقد محايد، بل طوى إبداعه قبل أن يتنفس بين الناس.

المستحيل الكبير

يُعد هذا الوَهم أكبر وَهم استقرت عليه الأقلام القديمة والحديث واعترفت، وأقرت أن قليلين ينجون من غواياته، فهناك مستحيل يشبه الغول والعنقاء والخل الوفي اسمه "الكمال"، لا يتحقق على أرضنا في أي حقل من الحقول، ولا يمكن لمنتوج بشري مهما بلغت درجة نضوجه والجهد فيه أن يصله، ولعل هذا المستحيل يظهر بشكل أوضح في أوعية الإبداع، التي لا بد أن يأتيها الضعف من أحد جوانبها لأن خريطة احتمالاتها متسعة للغاية، فإن لم يخفق الكاتب في لغته أو بعضها أخفق في وصفه، وإن لم يخطئ في أحدهما أخطأ في طريقة العرض أو الأسلوب أو الحوار أو الحجم أو الدقة أو التوثيق، وإن أفلت من كل ذلك واكتمل عمله في عينه، فستختلف حوله الأذواق التي لا يمكن جمعها على أمر، خاصة مع مخرجات الإبداع.

ويكون هذا الوهم (المستحيل) أوضح عند المبتدئين وأقسى في نتائجه؛ فالمبدع إن خنق نفسه بالسعي لتحقيق تلك المعادلة الصعبة ليصل بقنبلته الفنية إلى ذروتها لينزع  الفتيل، فلن يخطو خطوة للأمام، ولذلك تقول الكاتبة الأمريكية بريندا أويلاند (1891-1985م): "يجب ألا تقع عند هذه المرحلة تحت إغراء إعادة قراءة ما أنتجه قلمك، ففي الوقت الذي تحاول أن تتدرج في تأسيس قاعدة لنفسك بأن تكتب أينما كان وكيفما كان سنحت الفرصة، فإنك كُلما أغفلت عين الناقد عما تكتبه كان ذلك أفضل، حتى وإن كنا نتحدث عن إعادة قراءة خاطفة  فتميز كتابتك أو سذاجتها ليس موضع الاعتبار، أما الآن وبعد أن عدت إلى تراجع ما كتبته بحيادية وعقلانية فستجد هذه الدفقات الكتابية منيرة جدًّا".

في مرمى الاكتئاب

النتيجة الطبيعية الأولى التي يمكن أن تولد من أزمة التأخير والتردد والتأجيل الميِّت هي أن تصير روح الكاتب الذي يحوطه الخمول صيدًا سهلًا لثلاثة مفترسين خطرين، أولهم: الاكتئاب؛ حيث إن النفس الإنسانية في مثل هذه الحالة ستظل تطارد صاحبها وتقسو عليه وتراه عاجزًا ناقصًا كاذب الموهبة؛ لأنه سيكون في عمقه اللاواعي ساخطًا على حاله متهمًا لها، فإن كان من الخطأ التعجل في إرضاء شهوة الظهور والإطلالة من البراويز الدعائية الكاذبة، فبالقدر نفسه من الخطر يكون التقصير مع الذات في إرواء جزء من كبريائها سببًا مباشرًا في تعطيشها وإقلاقها وتجفيف منابع إبداعها. وثاني الأخطار: أنه لن يتحصل على أداة للتقييم والنقد والتوجيه فإن لم تتعدد المحاولات وتكثر حولها النقاشات ويظهر الخطأ والميزات، فكيف يترقَّى القلم وتتراكم الخبرات، وثالث الأخطار أن هناك مسافة ستتخلق مع الوقت وتتسع بين المبدع وأقرانه، وكلما مرت بجواره تجربة نجاح تضاعف لومه لذاته وقلقه وغيرته وارتيابه، وكل ذلك يُضعف المَلَكة ويبدد طاقتها ويُحرفها عن وجهتها.

ألقها في المطبعة

في "رائحة الجوافة" يقول غابريل ماركيز: "أنا أنشر كتبي لكي أتوقف عن كتابتها، ولكيلا أظل أعدِّل فيها إلى ما لا نهاية."

إن الكاتب يحتاج دومًا إلى جرأة كجرأة البداية عندما خط كلمته الأولى، يحتاج دفعة روحية تمكنه من التخلص من تعلقات الكتابة، ويتحرر من سلاسل "الكمال" الموهوم، فالتردد في الحركة إلى الأمام، يمكن أن يتمدد زمنه ليصير عامًا وأعوامًا، لذلك كان يقول بورخيس "لو لم نطبع كتبنا لبقينا نصححها إلى أن نموت".

والعيب ليس في التصحيح في حد ذاته، ولكن الإشكال أن طول العهد يأتي بالملال، وملال الكاتب يُحرفه عن الجرأة الأولى والتجريب الجريء ويجعله أكثر جبنًا وتخطيطًا وتنسيقًا، وكل ذلك التكلف سيأتي في النهاية بنتائج عكسية، وما قد يكون حسنًا في الشعر الذي هو بطبيعته يحتمل التأني والإنضاج، لكن القصَّ والفكر والإبداع النثري في عمومه يتعلق في أساسه بسخونة دفقة الاستهلال وتحريض الدهشة الأولى، فإذا تأخر الكاتب بردت لحظته وتجمَّدت وتجلدت وصارت في عينه أسوأ من البداية.

إبداع العُرْج والمكاسير

في الأثر الإيماني المنسوب للإمام الشافعي يقول: "سيروا إلى الله عُرْجًا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة". وهذه فلسفة عميقة المعنى، شديدة العمق، وهي كما تصح في أعمال الروح والتزكية، تصحُّ في السير العقلي والإبداعي، فالمبدع في حاجة للحركة النشيطة بالموهبة الناقصة؛ لتتويجها وترقيتها وتزكيتها وإرفادها بمعينات أخرى أكبر من الموهبة الجامدة، شريطة أن تكون هناك موهبة تأسيسية يتكئ إليها الكاتب وينطلق من ميدانها، وما دامت موجودة فإن مثلها مثل العلم، تنميتها في إنفاقها، وإنفاقها بالخروج من تجربة إلى الأخرى، ومن خبرة إلى أرقى حتى يتكوَّن لدى صاحب القلم تراكم أصيل يرفعه ويدفعه ويتوِّج عمله بكثير من الثقة، أما الثقة كاملة فلن تأتي، بل الأفضل ألا تأتي لأن الخوف هو زاد الإبداع والقلق المستمر هو حافزه للإنجاز والتحسين، لكن الخطورة تكمن فقط في التردد القاتل الذي يضع حاجزًا عملاقًا بين الشخص ونشر إبداعه، وتظل كلمة العماد الأصفهاني هي القاعدة الرئيسة في ذلك المقام، والتي يقول فيها: "إني رأيت أنه ‌لا ‌يكتب ‌إنسان ‌كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

اقرأ أيضًا:

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (2) العَجَلة ذلك الفخ الكبير

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (4) اكتب لنفسك أولًا 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة