...

مشروع «الكومنولث» الإسلامي.. ضرورة وجوبية

يشهد العالم الإسلامي في الوقت الراهن حملة إبادة ممنهجة تهدف إلى تحطيم أركانه، واستئصال وجوده، أملاً في إقامة «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، واسترداد أرض أجدادهم في المدينة المنورة كما زعموا، ويعلنون بكل صراحة، أنهم يهدفون إلى إقامة هيكل سليمان، على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، الذي هو قبلة المسلمين الأولى، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقديماً كان قادة الكيان المحتل لا يصرحون بهذه المطامع، أما اليوم فهم يعلنونها صراحة وذلك بدعم قوى من قادة أمريكا.

وهنا يجب أن ندرك أن سيادة الدول لم تعد تُقاس بحدودها الجغرافية أو قوتها العسكرية التقليدية فحسب، بل بمدى قدرتها على تأمين احتياجاتها الإستراتيجية في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.

وبالنسبة لـ 57 دولة تشترك في الجغرافيا والتاريخ والمصالح، لم تعد التوصيات والبيانات الختامية كافية، نحن اليوم أمام استحقاق تاريخي يفرض علينا الانتقال إلى نموذج مثل «كومنولث إسلامي»؛ وهي كلمة في أصلها تشير إلى معنى الثروة المشتركة أو الرخاء العام، ونقصد به هنا: تكتل وظيفي تلتزم فيه الدول الأعضاء بسياسات موحدة في ملفات محددة، لا تقبل النقض أو الانسحاب.

لماذا هذا التكتل ضروري؟

على مدار عقود، استندت العلاقات البينية الإسلامية إلى مبدأ التعاون عند المقدرة، وهو ما حوّل المؤسسات المشتركة إلى نوادٍ خطابية تفتقر لآليات الإلزام، وقد شخص مالك بن نبي قديماً أزمة القابلية للاستعمار، واليوم نحن نعاني من النسخة الرقمية لهذه الأزمة؛ القابلية للارتهان؛ فالارتهان للغذاء من الخارج، والتقنية المستوردة، ومنصات التواصل التي تملك مفاتيح الوعي الجمعي.

التأصيل الشرعي والمصلحي

الاتحاد قوة والتفرق ضعف، وهذا ما أدركته أوروبا؛ فأنشأت الاتحاد الأوروبي، وأنشأت بريطانيا «الكومنولث البريطاني»، وجاهدت روسيا من أجل «كومنولث روسي»، وهكذا يجب أن يكون المسلمون أمة واحدة؛ (وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ) (المؤمنون: 52)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهَر والحُمَّى» (رواه البخاري، ومسلم).

ومن منظور السياسة الشرعية، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا كان حفظ النفس (الأمن الغذائي)، والمال (السيادة الاقتصادية)، والعقل (الاستقلال المعلوماتي) واجبات شرعية، وكانت هذه الواجبات مستحيلة التحقيق بشكل منفرد لكل دولة على حدة، فإن التكتل يصبح فريضة شرعية، وضرورة وجودية.

فـ«الكومنولث الإسلامي» عقد اجتماعي دولي ينقلنا من تنسيق المواقف إلى وحدة المصير الإجرائي للحصول على سيادة حقيقية ضمن كتلة كبرى.

أعمدة التكتل

1- «الكومنولث» الغذائي.. سلة الأمة: لا يمكن لبلد يملك أرضاً خصبة أن يتركها بوراً، بينما يشتري جاره القمح من وراء البحار بأسعار مضاعفة؛ لذلك يجب إنشاء صندوق الاستثمار الزراعي، حيث تلتزم الدول الغنية بالتمويل، وتلتزم الدول الزراعية (السودان، باكستان، كازاخستان) بتخصيص مساحات شاسعة للزراعة؛ والمحصول هنا ليس للتصدير العالمي، بل لسد حاجة التكتل أولاً بأسعار منخفضة.

2- «الكومنولث» النقدي: يُمثل الدينار الإسلامي الموحد مشروعاً اقتصادياً طموحاً يهدف إلى تحقيق الوحدة النقدية بين الدول الإسلامية، مستلهماً قوته من نظام القاعدة الذهبية، وتتركز الفكرة حول إصدار عملة مدعومة بالذهب؛ ما يمنحها قيمة ذاتية مستقرة تحمي الاقتصادات الناشئة من تقلبات العملات الدولية والتبعية للدولار.

الأهداف والمزايا المرتقبة

  • الاستقلال المالي: تقليل الاعتماد على النظم النقدية الغربية.
  • تحفيز التجارة البينية: تسهيل التبادل التجاري بين دول منظمة التعاون الإسلامي عبر إلغاء رسوم تحويل العملات.
  • مواجهة التضخم: الحفاظ على القوة الشرائية بفضل الارتباط بالمعدن النفيس.

ويتطلب تجسيد هذا الحلم تجاوز العقبات السياسية، وتوحيد السياسات النقدية، وإيجاد غطاء ذهبي ضخم يكفي لاحتياجات السوق الإسلامية المشتركة.

3- «الكومنولث» الدفاعي والسيبراني: الدرع المشترك في عالم الحروب الهجينة، لم يعد الدفاع عن الحدود الترابية كافياً؛ فيجب إنشاء مركز الأمن السيبراني الموحد، حيث لا تملك كل دولة القدرة على صد هجمات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لكن تكتلاً يجمع خبرات مهندسي ماليزيا وبرمجيات تركيا وعقول مصر، يمكنه بناء جدار فولاذي يحمي البيانات البنكية والعسكرية لكافة الدول الأعضاء.

4- «الكومنولث» المعرفي: جيب تطوير المناهج التعليمية والأخذ بأحسن ما توصلت إليه النظم التعليمية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وكذلك توحيد المناهج العلمية في التخصصات الإستراتيجية.

آلية التنفيذ.. نظام الدوائر المتكاملة

حتى لا نغرق في طموحات غير قابلة للتطبيق، يجب أن يبدأ «الكومنولث» بنظام الإلزام التدريجي:

دائرة النواة: تضم 5 إلى 7 دول تملك التكامل (مال، عمالة، موارد، سلاح)، تبدأ هذه الدول بتطبيق الإلزام الكامل في السياسات الاقتصادية والدفاعية.

دائرة الالتحاق: الدول التي تنضم لاحقاً وتلتزم بالمعايير تدريجياً مقابل الحصول على ميزات الحماية والتمويل.

يمكن أن تكون مبادرة الرباعي التركي السعودي الباكستاني المصري، نواة حقيقية لمشروع «كومنولث» إسلامي.

إن «الكومنولث» الإسلامي الذي حلمت به نخب الأمة ومفكروها، وصناع الرأي فيها لم يكن مجرد خيال، بل كان استشرافاً لمستقبل لن يرحم الضعفاء، إننا الآن أمام خيارين؛ إما أن نكون كتلة صلبة تفرض شروطها في نظام عالمي متعدد الأقطاب، أو نتحول إلى غثاء كغثاء السيل تتقاسمه الخوارزميات، والشركات العابرة للقارات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة