مصطلح «العَلمانية» بين النظرية والتطبيق.. أوروبا نموذجاً (1 - 3)
يعاني مسلمو
أوروبا المعاصرة من ازدواجية المعايير من قِبل مؤسسات العَلمانية الأوروبية
الحديثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية)، رغم أنه من المفترض أنها
تعامل كل الأديان بدرجة واحدة، فما أصل مصطلح العَلمانية؟ وما سماته الأوروبية؛ هل
توجد علمانية متشددة، تملصت مما وضعته في دساتيرها؟ وهل ما زالت هناك رواسب وبقايا
للمسيحية في السلطة تعكر ما تزعم العلمانية تحقيقه مع الأديان من حياد لا إبعاد؟
أثارت زيادة
الالتزام الديني بين الشباب المسلمين المولودين في أوروبا قلق المتربصين، فتسعى
لوائح حكومية جديدة إلى تقييد الممارسات الإسلامية في المجال العام، وتحاول أيضاً
تشكيل السلوك الشخصي للمسلمين، وأظهرت القيود العلمانية، المجاهدة والمعاناة
الأخلاقية اليومية للمسلمين الناشطين في دوائر الإحياء الإسلامي، بين سعيهم لأسلوب
حياة متدين، وتطلعاتهم لمواجهة «الإسلاموفوبيا» والنظرة السلبية عنهم داخل
المجتمع.
أصل العلمانية ومعناها
يتذبذب مصطلح
العلمانية بين المقصود الديني، والمعنى السياسي، وتنفصم تعاريفه النظرية عن واقع
التطبيق.
ولقد تطور
المصطلح في أوروبا من ألغاز الفلسفة حتى وصل إلى أعماق السياسة؛ حيث قادت العقيدةُ
المسيحية القائلة بأن الله موجود خارج الدنيا، الثقافةَ الغربية إلى استخدام
العلمانية للإشارة إلى الانفصال عن الشؤون الدينية والانخراط في الشؤون الدنيوية.
طبقاً لقاموس
أكسفورد الموجز للكنيسة، فإن مصطلح العلمانية (Secularism) صيغ عام 1850م، للإشارة إلى نظام يسعى إلى ترتيب الحياة وتفسيرها
على أساس مبادئ مأخوذة فقط من هذا العَالم، دون اللجوء إلى الإيمان بالله والحياة
الآخرة، ويستخدم المصطلح الآن بمعنى أكثر عمومية للميل إلى تجاهل، إن لم يكن
رفضاً، لمبادئ الدين(1).
وعلى النمط ذاته
يسير قاموس الموسوعة البريطانية، فعرّف المصطلح بأنه: «الاعتقاد بأن الدين لا
ينبغي أن يؤدي دوراً في الحكومة أو التعليم أو النواحي العامة الأخرى من المجتمع».
وقاموس «مريام
وبستر» بأنه: «اللامبالاة أو الرفض أو الإقصاء للدين والاعتبارات الدينية»، وهو «الاعتقاد
بأن الدين لا ينبغي أن يشارك في الأنشطة الاجتماعية والسياسية العادية للبلد» في
قاموس كمبريدج، ومثله في أكسفورد: «الاعتقاد بأن الدين لا ينبغي أن يشارك في تنظيم
المجتمع والتعليم وما إلى ذلك».
وطبقاً لمعاجم
اللغة العربية الحديثة، فالعَلماني (عند الغربيين المسيحيين) من يعنى بشؤون
الدنيا، نسبة إلى العَلْم (بفتح العين، وسكون اللام) بمعنى العَالم، وهو خلاف
الكهنوتي(2).
وذكر العامري
اتفاق النقاد على أن المصطلح ترجمة لكلمة غربية المولد والمحضن، وليس لها جذر في
المعجم الإسلامي القديم، ويعود المصطلح إلى الكلمة اللاتينية «saeculum»؛ أي:
العالَم، بمعنى الكون أو الزمن أو العصر، ومن الجذر اللاتيني اشتقت الكلمة
الفرنسية «siècle»؛ أي قرن أو عصر، ويرى أنه ما دام مشتقاً من
«العاَلم» وليس «العِلم»، فالشكل الأصوب هو «العَالَمانية» (بألف بعد العين)، لا «العِلمانية»،
ولا «العَلمانية»، وقدّم تعريفاً للمصطلح وهو «مبدأ يقوم على إنكار مرجعية الدين
أو سلكانه في تنظيم شؤون الناس، بعضها أو كلها، انطلاقاً من مرجعية الإنسان لإدراك
الحقيقة والمنفعة الكامنتين في هذا العالم»(3).
بين المصطلح الفرنسي والإنجليزي
المصطلح الفرنسي
ليس مرادفاً للإنجليزي، فهما مختلفان من حيث الدلالة، فالأول يشير إلى الأيديولوجية
الحركية العلمانية التي نشأت بعد الثورة الفرنسية وقامت عليها دولة، والثاني يشير
إلى «الدنيوية» بشكل عام كتيار مدني إنساني عام غير ملتزم حركياً(4).
ففي فرنسا مع
استقرار الجمهورية الثالثة عام 1879م، فرضت العَلمانية نفسها سياسياً، فشكّل
العَلمانيون أغلبية البرلمان، وأصدروا قوانين تحد من تدخل الكنيسة في الشؤون
العامة، خاصة التعليم والأحوال الشخصية، وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع الفاتيكان
عام 1904م.
ومع قيام
الجمهورية الرابعة عام 1945م، كرّس الدستور الفرنسي علمانية الدولة بصورة نهائية،
ولكن لم تذكر كلمة «العلمانية» إلا في المادة الأولى من دستور الجمهورية الخامسة
عام 1958م، ونصها: «فرنسا جمهورية لا تتجزأ، وهي علمانية، وديمقراطية، واجتماعية،
وتكفل مساواة جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز يقوم على الأصل أو العرق أو
الدين، وتحترم جميع المعتقدات».
ولكن ما يحدث في
فرنسا تجاه مواطنيها المسلمين، من تضييق، وغلق للمساجد، وطرد للأئمة، وحظر للزي
المرتبط بالمسلمات والطالبات، يناقض الدستور العلماني المذكور أعلاه، ولم تحترم معتقدات
المسلمين باسم حرية الرأي في إطلاق العنان لنشر الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه
وسلم.
وأخيراً جاءت
القوانين الفرنسية الجديدة «مكافحة الإسلام الانفصالي» لتفرض رقابة على المساجد
والجمعيات المسؤولة عن إدارتها، ومراقبة تمويل المنظمات المدنية التابعة للمسلمين،
وفرض قيود على حرية تعليم الأسر أطفالها في المنازل.
في بريطانيا،
يوجد وجه آخر للعلمانية، فطبقاً لموقع مكتبة البرلمان البريطاني، اتخذت كنيسة
إنجلترا شكلها الحالي عام 1534م، عندما انفصل الملك هنري الثامن عن السلطة
البابوية لرفضها طلاق زوجته، لحاجته إلى وريث ذكر، وأصدر البرلمان قانوناً بجعل
الملك على رأس الكنيسة الإنجليزية، وحتى 1919م، كانت الكنيسة تعتمد على البرلمان
للتشريع الذي يحكم شؤونها، ثم نقل التشريع إلى «الجمعية الوطنية»، وأخيراً للمجمع
الكنسي العام، عام 1969م.
وبالنسبة
للعلاقة بين الكنيسة والدولة، فلا يزال الملك هو «الحاكم الأعلى» لكنيسة إنجلترا،
وهو عضو في كنيسة إسكتلندا، والأساقفة الأنجليكان هم أعضاء بمجلس اللوردات، أحد
المجلسين المسؤولين عن سن القوانين (حالياً 26 أسقفاً)، وبينما تتطلب تدابير كنيسة
إنجلترا إشرافاً برلمانياً، تتمتع كنيسة إسكتلندا بالحكم الذاتي(5).
فهنا نرى أن
علمانية بريطانيا كدولة لها وجه مسيحي، وبالتالي لا تعطي نفس الوزن لمواطنيها من
المسلمين، مثلاً لما أراد المسلمون إنشاء مدارس إسلامية ممولة من الدولة، على
منوال مدارس الكنيسة، وجدوا رفضاً وصعوبة وتضييقاً.
ولم تصنف رابطة
الدفاع الإنجليزية (EDL) كجماعة إرهابية بموجب قانون الإرهاب،
المعروف عنها ارتباطها بالمسيحية وعداؤها واعتداؤها على المسلمين.
وأظهرت مراجعة
أجريت للأنظمة الشرطية والجنائية تحيزاً عنصرياً واضحاً في نظام العدالة البريطاني(6).
العلاقة مع الدين
كانت كلمة «علمانية»
في البداية، لا تتناقض في الأصل مع الدين، بل مع الأبدية، وفي العصور الوسطى في
أوروبا كان هناك ميل قوي لدى المتدينين إلى التأمل في الله والحياة الآخرة،
واحتقار الشؤون الإنسانية، وكرد فعل، أظهرت العلمانية نفسها في عصر النهضة في تطور
الإنسانية، وبدأ الناس في إبداء المزيد من الاهتمام بالإنجازات الثقافية البشرية،
ومع تقدم المصطلح، فغالباً ما يُنظر إليه على أنه معادٍ للمسيحية ومناهض للدين،
لكن في النصف الأخير من القرن العشرين، بدأ بعض اللاهوتيين الدفاع عن «المسيحية
العلمانية»، واقترحوا أن المسيحية لا ينبغي أن تهتم فقط بالمقدس والعالم الآخر(7).
لقد كانت الثورة
الفرنسية وطريقة معالجتها لدور الكنيسة في الدولة، النموذج الذي اعتمد عليه واحد
من أشهر العلمانيين في العالم الإسلامي وهو مصطفى كمال أتاتورك في تركيا الذي ألغى
كون الإسلام دين الدولة، ورأى أن المؤسسة الدينية الإسلامية هي العدو الذي يجب
القضاء عليه، مثلما رأى ثوار فرنسا الفاتيكان عدواً لثورتهم، فصادر أتاتورك
ممتلكات المؤسسات الدينية وحظر الفتاوى الدينية، وفرض الزي الأوروبي، ومنع اللغة
العربية للحد من وصول الشعب للنصوص الإسلامية، كما فرض رؤية معادية للكاثوليكية في
تدريس تاريخ أوروبا، استلهاماً من الأفكار العلمانية للثورة الفرنسية(8).
وعلى هذا الغرار،
ظهرت في العالم الإسلامي دعوات ببغاوية تنعق بالقول: «لا دين في السياسة، ولا
سياسة في الدين»! لا تراعي خصوصية بلادنا، وديننا الذي يسوس كل مناحي الحياة
بالعدل والرحمة والحكمة والمصلحة.
سنسلط مزيداً من
الضوء في المقالات التالية إن شاء الله على أبعاد العَلمانية وتأثيرها على مسلمي
أوروبا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) The Concise Oxford Dictionary of the Christian Church
2013.
(2) مجمع
اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوجيز، دار التحرير، 1989، ص 432
(3)- العامري،
العالمانية طاعون العصر، المؤسسة العلمية الدعوية العالمية، 2017، ص52، 69.
(4) السليمان،
تفكيك مصطلح العلمانية، مجمع اللغة العربية بمكة، مايو 2013، ص137-178.
(5) House of Commons library, The relationship between
church and state in the United Kingdom, 31 July 2025.
(6) gov.uk, Lammy review final report, 8 September 2017.
(7) The Editors of Encyclopaedia Britannica,
"Secularism", 13 May 2020.
(8) Danforth, Islam will not have its own ‘Reformation’,
Foreign Policy, 2 January 2015.
(*) المقالات بتصرف ومراجعة عن ورقة علمية لكاتبها (د. أحمد عيسى) نشرت في مجلة «الإشعاع» الأكاديمية الدولية المحكمة، جامعة الدكتور طاهر مولاي، مجلد 9، عدد 1، يونيو 2022، بإذن من المجلة.