خطرات قرآنية (3)
معالم التوحيد في القرآن الكريم
رسم القرآن معالم التوحيد، فجاء يدعو الناس إلى عبادة إلهٍ واحدٍ، فردٍ صمدٍ، لا شريك له في الملك، ولا صاحب له أو صاحبةً، ودعاهم إلى أن يتركوا عبادة الأصنام (المادية والمعنوية) التي لا تنفع ولا تضر، ولا تستطيع تقديم خيرٍ أو منع شرٍ، ولا ترسل لهم وحيًا ينبئهم بصلاحهم أو فسادهم.
معالم التوحيد الخالص
إن القرآن يدعو
الناس إلى توحيد خالص لا زلفى فيه لأحدٍ لدى الله أو وسيطٍ أو شريكٍ في الحكم ولا
في تحديد مصائر الناس ولا أرزاقهم. ولم يزعُم أحدٌ عبر التاريخ هذه الشراكة، أو
مقاسمة الله في واحديته ووحدانيته جل شأنه، بل كانت توهماتٍ وادعاءاتٍ أثبت
التاريخ والواقع زيفها واستغلالها لإخضاع الناس والهيمنة على عقولهم.
توحيد بلا استعباد أو إذلال
إن العبودية
التي يدعو إليها القرآن في مبدأ التوحيد خاليةٌ من كل صور الاستعباد والإذلال،
التي مارسها الطغاة ومُدَّعو الألوهية عبر التاريخ، والذين سفَّهوا أحلام الناس،
وأهانوا كرامتهم، واسْتَرقُّوهم، إن العبودية التي يدعو إليها القرآن تشترط في أول
شروطها: الحرية، والكرامة الإنسانية، بكل أبعادهما
إن الله تعالى المعبود
في غنىً عن الناس جميعًا، لا يحتاج منهم أن يقدموا له شيئًا، بل هو الذي يقدم لهم
كل شيءٍ: أرزاقهم، وعوامل صلاحهم، وحياتهم الطيبة. ومن ثَمَّ فإن هذه العبودية
تحرر نفس الإنسان من كل تعلقٍ أرضيٍّ يمكن أن يسهم في الذِّلة والمسكنة للإنسان
إن القرآن يدعو
في هذه العبودية التي مبدأها الأساس التوحيد إلى عِزة العابد التي ربطها القرآن
بالله –تعالى- ورسوله: (وَلِلَّهِ
ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ) (المنافقون: 8)، ومنعته تجاه
كل صور الاستغلال التي يمكن أن تحدث من وجوه الاستعباد البشري أو الأرضي عامةً.
تقدمٌ لا تردٍّ
إن القرآن لا
يرضى لأتباعه التخلف والتردي الحضاري، بل يحفزهم إلى التقدم والنهوض والتحسين
والتطوير ويعتبر ذلك من شروط الإيمان، وفي ذلك يقدم القرآن منظومةً كاملةً من أجل
تحقيق هذا التقدم المنشود ومن جوانب هذه المنظومة:
- القوة
الشاملة: (أَعِدُّواْ لَهُم
مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ) (الأنفال: 60).
- تهيئة مُناخ
العلم والتعلم: كعناصرَ رئيسةٍ للتقدم والنهوض: (قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ
لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ) (لزُّمَر: 9).
- تحقيق مفهوم
العلم الشامل في حركة الإنسان على الأرض: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ) (العلق: 1).
أخلاق لا انحطاط
يحدد القرآن
لأتباعه إطارًا أخلاقيًّا واضحًا وبسيطًا للحركة والنظام الاجتماعي في المجتمع،
باعتبار أن نزول القرآن في الأساس كان لتحقيق المقصد الأخلاقي للإنسان على الأرض،
قال تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ
إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء: 114).
فردية وجماعية
لا يمايز القرآن
بين الفرد والجماعة إلا في درجة المسؤولية، وهو في ذلك يعطي الاعتبار للفرد
والحرية له باعتباره مسئولًا عن كل ما يقوم به في حركته الذاتية أو حركة التاريخ: (كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ
رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، وفي ذات الوقت فإن القرآن يجعل فلاح الفرد وفوزه
في الدنيا والآخرة من خلال المجتمع وليس خارجًا عنه: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177)، وهنا تختفي إشكالية الفردية والجماعية التي ابتدعتها
حضارة الصراع والطبقية.
علم لا جهل
احتفى القرآن
بالعلم، باعتبار أن عبادة الله تعالى وتوحيده والقيام بتكاليفه لا تكون إلا عن
طريق العلم والتعليم، وفي ذلك وضع العلماء في مراتبَ ودرجاتٍ تناظِر الأنبياء غير
أنهم لا يُوحَى إليهم، واعتبرهم أهل الذكر لما في هذا الكتاب وفي شئون الدنيا
والدين يبينون الأحكام والحدود والخير والشر إذا اختلط على الناس، ويرجع إليهم
الناس فيما غاب عنهم أو أُشكل عليهم من القرآن أو من شئون الاجتماع، قال تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).
ومن أبواب عناية
القرآن بالعلم ذمُّ السحر والشعوذة كمصادرَ للمعرفة، وإعلاء قيمة السببية والتجربة
والسنن والقوانين في تفسير حركة الكون والظواهر الاجتماعية.
إصلاح لا إفساد
يرفض القرآن
رفضًا تامًّا كل أشكال الفساد والإفساد في الأرض، وقد اعتبر القرآن أن الربانيين -الذي
يعلمون دين الله ويعملون به- الذين صمتوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وتعميتهم على الناس وعدم إبلاغهم ببيانات التوراة ضمن فئة المفسدين في الأرض: (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ
وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (المائدة: 63).
كما اعتبر
القرآن فرعون وهامان وقارون الذين خربوا معاش الناس ومعادهم من المفسدين في الأرض
وجاء نهي القرآن واضحًا وشاملًا وعامًّا قال تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلاَحِهَا) (الأعراف: 56).
وجاءت الدعوة في
القرآن إلى الإصلاح بصوره المتعددة والشاملة فيما يقرب من 16 موضعًا قرآنيًّا
بمشتقاتٍ متعددةٍ: مُصْلِحُونَ، الصَّالِحَاتِ، صَالِحًا، الصَّالِحِينَ،
وَأَصْلَحُوا، فَأَصْلَحَ، إِصْلَاحٌ، الْمُصْلِحِ، وَتُصْلِحُوا، إِصْلَاحًا،
وَأَصْلَحَا، فَالصَّالِحَاتُ، وَالصَّالِحِينَ، يُصْلِحَا، صُلْحًا، وَالصُّلْحُ،
تُصْلِحُوا، وَأَصْلَحَ، إِصْلَاحِهَا، صَالِحُ، الصَّالِحُونَ، الْمُصْلِحِينَ،
يُصْلِحُ، الْإِصْلَاحَ، صَالِحِينَ، صَلَحَ، وَأَصْلَحْنَا، يُصْلِحُونَ،
الصَّالِحُ، وَيُصْلِحُ، فَأَصْلِحُوا.
ولو تتبعنا
سياقات هذه الألفاظ لوجدنا أن فكرة الإصلاح تشمل كل مجالات النشاط الإنساني:
الإيمان، والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والوجدان، والقيم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً