معالم الخطاب الإسلامي الجديد

يميل البعض إلى تصوير الخطاب الإسلامي باعتباره خطابًا واحديًا، أي ذا بعد واحد، والدين الإسلامي هو ولا شك عقيدة التوحيد، لكن التوحيد لا يعني الوحدانية، فالتوحيد يعنى أن الله الأحد مفارق للإنسان والكون، منزه عنهما، وهو ما يعنى إن الواحد هو الله وحده وما عدا ذلك فكثير والخطاب الإسلامي ليس كلام الله، وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان، ومن ثم فهو أيضًا متعدد وكثير وتاريخ المسلمين هو تعبير عن هذه الكثرة والتعددية.

ونحن نميل إلى تصنيف مستويات الخطاب الإسلامي على النحو التالي:

خطاب إسلامي ظهر مع دخول الاستعمار العالم الإسلامي وحاول أن يقدم استجابة إسلامية لظاهرتي التحديث والاستعمار، وقد ظل هو الخطاب المهيمن حتى منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي القديم.

ظهر خطاب آخر كان هامشيًا ولكن معالمه بدأت تتحدد تدريجيًا في منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي الجديد ونقطة الاختلاف بين الخطابين هو الموقف من الحداثة الغربية (كما سنبين بعد)، ولكن إلى جانب هذا التصنيف الثنائي على أساس المرحلة التاريخية، وقد يكون من المفيد أن نشير إلى تصنيف ثلاثي على أساس حملة الخطاب:

الخطاب الجماهيري أو الاستغاثي أو (الشعبوي)

هو خطاب القاعدة العريضة من الجماهير الإسلامية التي شعرت بفطرتها إن عمليات التحديث والعلمنة والعولمة لم يكن فيها خير للأمة ولا صلاح لها، كما لاحظت أن هذه العمليات هي في جوهرها عمليات تغريب، سلبتها موروثها الديني والثقافي ولم تعطها شيئًا في المقابل، بل أدت إلى مزيد من الهيمنة الاستعمارية والاستقطاب الطبقي في الداخل، هذه الجماهير تحاول التمسك والتشبث بالإسلام فهي تعرفه جيدًا وتشرنقت داخله إلى أن يأتي الله بالفرج، فهي تتحرك بموروثها الإسلامي وتستغيث في الوقت نفسه طلبًا للنجدة، ولكنها لا تقدم فكرًا ولا حركة سياسية منظمة، وعادة ما يعبر هذا الخطاب عن نفسه من خلال هبات تلقائية غاضبة ضد أشكال التغريب المتطرف والغزو الاستعماري تارة، وتارة أخرى من خلال «فعل الخير» الفردي (إعطاء الصدقات والاجتماعي (تأسيس مساجد ومستشفيات ومدارس - موائد الرحمن..، إلخ)، ويعبر الخطاب الجماهيري أحيانًا عن نفسه من خلال أعمال العنف الاحتجاجي، وهذا الخطاب الجماهيري يضم الفقراء بالدرجة الأولى، ولكنه يضم في صفوفه أيضًا الأثرياء ممن يشعرون بأهمية الموروث الديني والحضاري، ومن أدركوا أن في ضياعه ضياعًا لكل شيء.

الخطاب السياسي

هو خطاب بعض أعضاء الطبقة المتوسطة من المهنيين والأكاديميين وطلبة الجامعات والتجار ممن شعروا أيضًا بالحاجة إلى عمل إسلامي يحمى هذه الأمة، وقد أدركوا أن العمل السياسي هو السبيل إلى هذا، فقاموا بتنظيم أنفسهم على هيئة تنظیمات سياسية لا تلجأ للعنف، تتبعها تنظيمات شبابية ومؤسسات تربوية ويميل بعض حملة الخطاب السياسي إلى محاولة الاستيلاء على الحكم بالقوة، أما بعد عام 1965 (كما سنبين بعد فيلاحظ ان ثمة اتجاهًا عامًا نحو العمل من خلال القنوات الشرعية القائمة، واهتمام حملة هذا الخطاب يكاد ينحصر في المجال السياسي والتربوي.

الخطاب الفكري

هو الخطاب الذي يتعامل أساسًا مع الجانب التنظيري والفكري داخل الحركة الإسلامية، وهذا التقسيم لا يعنى انفصال مستويات الخطاب الثلاث، فالخطابان الجماهيري والسياسي متداخلان، وقل الشيء نفسه عن الخطابين السياسي والفكري، ورغم انفصال الخطاب الجماهيري عن الخطاب الفكري إلا أن تداخلًا يحدث بينهما من خلال الخطاب السياسي وهكذا، ولكن رغم تأكيد هذه الوحدة الأساسية بين مستويات الخطاب الثلاث نجد أن من المفيد، من الناحية التحليلية، أن نفترض استقلالها الواحد عن الآخر.

 


اقرأ أيضاً:

أسئلة الهوية

التمركز حول الأنثى والصهيونية

عبدالوهاب المسيري ونقد العلمانية

الهوامش
  • 1 المصدر: المسلم المعاصر، العدد 86، 10 نوفمبر 1997.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة