معايير اختيار الزوجة في ضوء البلاغة النبوية

سعد الحسن

22 سبتمبر 2026

17

صورة بها عنوان الموضوع واسم الكاتب وصورة تعبيرية عن الزوجة الصالحة

تحدثنا في مقال سابق تحت عنوان «الترغيب في الزواج.. كيف يصوغ البيان النبوي طريق العفة؟» عن الهدي النبوي في تشجيع الشباب للمسارعة إلى الزواج حينما تتهيأ أسباب ذلك، وذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم وضع البديل لمن لم يُتح له ذلك وهو الصوم. لكنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يقف عند الترغيب في الزواج؛ بل حرص على أن يضع معايير اختيار الزوجة الصالحة التي تكون لبنة للأسرة المسلمة، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يتجاهل الدوافع التي تجذب الناس عادةً إلى الزواج، لكن أعاد ترتيبها وفق ميزان أبقى أثرًا وأعمق حضورًا في الحياة الزوجية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك" (رواه البخاري، ومسلم). ففي هذا الحديث نجد أنه من خلال ألفاظ قليلة، يرسم صورة واقعية للنفس البشرية، ثم ينقلها من مجرد رصد دوافع الاختيار إلى توجيهها نحو ذات الدين؛ لأنها الأقدر على صيانة الأسرة وبناء السكينة واستدامة المودة.

دلالة الفعل المضارع المبني للمجهول

افتُتح الحديث بالفعل المضارع المبني للمجهول: "تُنكَح المرأة لأربع"، ولم يقل: "انكحوا المرأة لأربع"؛ لأن المقصود في صدر الحديث الإخبار عما يجري بين الناس، لا الأمر بطلب الخصال الأربع مجتمعة؛ فالفعل يرصد واقعًا اجتماعيًّا تتعدد فيه دوافع الزواج، ثم يأتي التوجيه النبوي بعد ذلك ليقوِّم هذا الواقع ويضبطه ويرشده.

وفي حذف الفاعل توجيه للاهتمام بالفعل وأسبابه، وليس بمن يصدر عنه؛ فالقضية ليست متعلقة بشخص معين، وإنما هي وصف لطبيعة بشرية عامة. أما قوله: "لأربع" ففيه إجمال يثير انتباه السامع ويجعله متشوقًا إلى معرفة هذه الأربع، ثم يأتي التفصيل: "لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها".

وتكرار اللام في الكلمات الأربع يمنح كل باعث من البواعث الأربعة استقلاله؛ فقد يقصد الرجل المال وحده، أو الحسب، أو الجمال، أو الدين؛ أي: تُطلب المرأة في الزواج بسبب واحدة من هذه الخصال. وليس معنى الحديث أن المرأة لا بد أن تجمعها كلها، بل إن الناس تختلف مقاصدهم باختلاف ما يقدمونه من قيم.

والمال أول هذه الدوافع؛ لما يحققه في الظاهر من سعة وراحة، والحسب هو شرف الأصل وكرم المكانة بين الناس، والجمال باعث فطري تتعلق به النفس، ثم يأتي الدين خاتمة هذه السلسلة. وليس تأخير الدين تقليلًا من شأنه، بل هو تأخير يمهد لنقله من مجرد خصلة مذكورة بين الخصال إلى المعيار الذي يفصل فيه الخطاب النبوي ويحسم الاختيار.

معايير اختيار الزوجة.. من تعداد الصفات إلى حسم الاختيار

بعد الجمل الخبرية المتوازنة ينتقل الحديث انتقالًا حاسمًا إلى أسلوب الأمر: "فاظفر بذات الدين". والفاء تصل النتيجة بما سبقها؛ فكأن المعنى: إذا كانت هذه دوافع الناس ووجوه اختيارهم، فقد عرفتَها، فاجعل غايتك الفوز بذات الدين.

واختيار الفعل "اظفر" بالغ الدلالة؛ لأن الظفر لا يعني مجرد العثور على الشيء، وإنما يوحي بإدراك مطلوب نفيس بعد سعي وحرص؛ فالمرأة الصالحة في التصوير النبوي ظفر وغنيمة، وليست خيارًا ثانويًّا يُلجأ إليه بعد تعذر المال أو الجمال أو الحسب. ويؤكد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (رواه مسلم)، فجعل الصلاح خير ما ينتفع به الإنسان في دنياه.

ولم يقل الحديث: "فاظفر بالدين"، بل قال: "بذات الدين"؛ لأن المطلوب إنسانة تملك الدين خلقًا وسلوكًا، فيظهر أثره في الأمانة والعفة، وحفظ الحقوق، وحسن العشرة، والصبر عند الشدائد. فالدين هنا ليس مظهرًا منفصلًا عن الحياة، وإنما قوة أخلاقية تضبطها وتحمي العلاقة الزوجية من التقلب مع المصالح والأهواء.

ولا يفيد الحديث إلغاء الجمال أو المال أو الحسب باعتبارها من معايير اختيار الزوجة؛ فقد أقر وجودها دوافع معتبرة في الفطرة والعرف، لكنه حذّر ضمنًا من جعلها الأصل الذي تطغى عليه سائر المعايير؛ فالمال معرض للزوال، والجمال يتغير، والحسب الموروث لا يضمن حسن العشرة، أما الدين الصادق فيصون النعم عند وجودها، ويعين على احتمال فقدها. ويعضد هذا الميزان قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221]. فالتعبير القرآني بـ"ولو أعجبتكم" دليل على وجود الإعجاب باعتبارها أمرا فطريا في النفس، لكنه لا يجعله حاكمًا على الاختيار؛ إذ تبقى قيمة الإيمان أرجح وأبقى.

"تربت يداك".. شدة الحث في صورة محسوسة

خُتم الحديث بقوله: "تربت يداك"، وأصل العبارة في اللغة أن تلتصق اليدان بالتراب من شدة الفقر، غير أن العرب كانت تجريها على ألسنتها من غير أن تقصد حقيقة الدعاء بالفقر. فهي من الأساليب التي تُفهم بحسب سياقها، والمقصود هنا الحث والتنبيه وتقوية الأمر، كأنه يقول: الزم هذا الطريق ولا تحد عنه.

وتتجلى بلاغة العبارة في انتقالها من اللفظ الهادئ: "فاظفر"، إلى صورة محسوسة شديدة: "تربت يداك"؛ فاليدان أداة الكسب والأخذ، وإذا أصابهما التراب صارت الصورة كناية عن الخيبة وفوات المطلوب. ومن ثم تحمل العبارة تحذيرًا لطيفًا: إن أعرضت عن معيار الدين، وانخدعت بمظهر سريع الزوال، فقد يفوتك الظفر الحقيقي.

وهذا المعيار لا يختص باختيار الرجل للمرأة؛ فالشريعة تقيم اختيار الزوج كذلك على الدين والخلق، كما جاء في الحديث: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" (رواه الترمذي). وبذلك يتوازن الخطاب: الدين أساس في اختيار المرأة، والدين والخلق أساس في قبول الرجل، فلا يتحول أحد الطرفين إلى طالب للكمال وهو بمعزل عن المعيار نفسه.

إن حديث معايير اختيار الزوجة الصالحة لا يصادم الفطرة ولا يطالب الإنسان بإغماض عينيه عن الجمال أو المكانة أو القدرة المالية، وإنما يبني سلمًا للقيم: يجوز أن تجتمع هذه الصفات، لكن الدين ينبغي أن يبقى أساس المفاضلة والضمان الأخلاقي للاختيار.

وهكذا تختصر عبارة "فاظفر بذات الدين" فلسفة أسرية كاملة في معايير اختيار الزوجة؛ تبدأ بحسن الاختيار، وتمتد إلى السكينة والمودة، وتنتهي بأسرة تستطيع أن تعبر تغيرات الحياة دون أن تفقد ميزانها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة