من روائع «الصاحبي في فقه اللغة» لابن فارس

منزلة لغة الضاد وريادتها في البيان والاتساع

سعد الحسن

28 يوليو 2026

149

منزلة لغة الضاد وريادتها في البيان والاتساع

تتجلّى عبقرية لغة الضاد في قدرتها الفائقة على استيعاب المعاني الدقيقة، وسبك العبارات بإيجاز وبلاغة تعجز سائر اللغات الأخرى عن مجاراتها؛ فهي ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوعاء الخالد لوحي السماء، واللسان الذي اصطفاه الله -عز وجل- ليكون بياناً شافياً معجزاً. وفي هذا النص النفيس المأخوذ من كتاب "الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها" للإمام أحمد بن فارس القزويني الرازي، يأخذنا المؤلف في رحلة ممتعة لمعرفة منزلة لغة الضاد بين اللغات ولبيان وجوه تفوق اللغة العربية وسعتها، كاشفا عن أسرار مترادفاتها، وبدائع استعاراتها، ودقة بنائها الصوتي والدلالي الذي حفظ لها مكانة الريادة والسيادة بين لغات العالم:

باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها

قال جلّ ثناؤه: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ {192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء)، فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام، وهو البيان.

قال جلّ ثناؤه: (خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن) فقدّم -جلّ ثناؤه- ذكر البيان عَلَى جميع مَا توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمس وقمر ونجم وشجر وغيرِ ذَلِكَ من الخلائق المحْكمة والنشايا المُتْقَنة. فلمّا خصَّ -جلَّ ثناؤه- اللسانَ العربيَّ بالبيانِ عُلم أن سائر اللغات قاصرةٌ عنه وواقعة دونه.

فإن قال قائل: فقد يقع البيانُ بغير اللسان العربي؛ لأن كلَّ مَن أفْهَم بكلامه عَلَى شرط لغته فقد بَيَّن.

قيل لَهُ: إِن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير اللغة العربية قَدْ يُعرِبُ عن نفسه حَتَّى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قَدْ يدلُّ بإشارات وحركات لَهُ عَلَى أكثر مراده ثُمَّ لا يسمّى متكلماً، فضلا عن أن يُسمَّى بَيِّنًا أَوْ بليغًا.

وإن أردت أنَّ سائر اللغات تبيّن إبانة اللغة العربية فهذا غَلط؛ لأنا لو احتجنا أن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذَلِكَ إِلَاّ باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرةً، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسمّاة بالأسماء المترادفة؛ فأين هَذَا من ذاك، وأين لسائر اللغات من السَّعة مَا للغة العرب؟ هَذَا مَا لا خفاء بِهِ عَلَى ذي نُهيَة (عقل).

وَقَدْ قال بعضُ علمائنا حين ذكر مَا للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقدير والتأخير وغيرها من سنن العرب فِي القرآن فقال: ولذلك لا يقدر أحد من التراجم عَلَى أن ينقله إِلَى شيء من الألسنة كما نُقل الإنجيل عن السريانية إِلَى الحَبشية والرُّومية، وترجمت التوراة والزَّبور وسائرُ كتب الله عز وجل بالعربية؛ لأن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) (الأنفال: 59) لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أودعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: "إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء"، وكذلك قوله جلّ ثناؤه: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ) (الكهف: 11).

فإن قال قائل: فهل يوجد فِي سنن العرب ونظومها مَا يجري هَذَا المجرى؟

قيل لَهُ: إِن كلام الله -جلّ ثناؤه- أعلى وأرفع من أن يُضاهى أَوْ يُقابل أَوْ يعارض بِهِ كلام، وكيف لا يكون كذلك وهو كلام العليّ الأعلى خالق كلّ لغة ولسان، لكنّ الشعراء قَدْ يومئون إيماءَ، ويأتون بالكلام الَّذِي لو أراد مُريد نقْلُه لاعْتاص، وَمَا أمكن إِلَاّ بمبسوطٍ من القول وكثير من اللفظ. ولو أراد أن يعبّر عن قول امرئ القيس:

فدع عنك نهبا صيح في حَجَراته

بالعربية فضلاً عن غيرها لطال عَلَيْهِ.

وكذا قول القائل:

"الظن عَلَى الكاذبِ".

و"نِجارُها نارُها".

و"عَيَّ بالأسْناف".

و"انْشأي يُرمَ لكِ".

و"هو باقِعة".

و"قلبٌ لَو رَفع".

و"عَلَى يَد فاخْضَمْ".

و"شأنك إِلَاّ تركُه مُتفاقم".

وهو كثير بمثله طالت لغةُ العرب اللغات. ولو أراد معبرٌ بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخفاق واليقين والشكّ والظاهر والباطن، والحق والباطل، والمبين والمشكل، والاعتزاز والاستسلام لعيّ بِهِ. والله -جلّ ثناؤه- أعلم حَيْثُ يجعل الفضل.

ومما اختُصت بِهِ لغةُ العرب -بعد الَّذِي تقدم ذكره- قلبهُم الحروف عن جهاتها، ليكون الثاني أخفَّ من الأول، نحو قولهم: "ميعاد" وَلَمْ يقولوا "مِوْعاد" وهما من الوعد، إِلَاّ أن اللفظ الثاني أخفُّ.

ومن ذَلِكَ تركهم الجمعَ بَيْنَ السَّاكنَينِ، وَقَدْ تجتمع فِي لغة العجم ثلاث سواكن. ومنه قولهم: "يَا حارِ" ميلاً إِلَى التخفيف.

ومن اختلاسهم الحركات فِي مثل:

فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتَحقِبٍ

ومنه الإدغامُ، وتخفيفُ الكلمة بالحذف، نحو"لَمْ يَكُ" و"لَمْ أُبَلْ" ومن ذَلِكَ إضمارهم الأفعال، نحو "امرأ اتقى الله" و"أمرَ مُبكياتِكِ، لا أمرَ مضْحكاتِكِ".

وممّا لا يمكن نقْله البتَّةَ: أوصافُ السيف والأسد والرمح وغير ذَلِكَ من الأسماء المترادفة. ومعلوم أن العَجَم لا تعرف للأسد غير اسم واحد، فأما نحن فنُخرج لَهُ خمسين ومائة اسم.

وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعت أبا عبد الله بن خالَوَيْهِ الهمذاني يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم وللحيَّة مائتين.

وأخبرني عليُّ بن أحمد بن الصباح قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه أن الرشيد سأله عن شعر لابن حزام العُكْلِيّ ففسره، فقال: "يَا أصمعي، إِن الغريب عندك لغَيْرُ غريب" فقال: "يَا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وَقَدْ حفظتُ للحَجَر سبعين اسما؟"، وهذا كما قاله الأصمعي. ولكافي الكفاة -أدام الله أيامه وأبقى للمسلمين فضله- فِي ذَلِكَ كتاب مجرد.

فأين لسائر الأمم مَا للعرب؟

ومن ذا يمكنه أن يُعبّر عن قولهم: ذات الزُّمَيْن (المراد تراخي الوقت)، وكَثْرَة ذات اليد (كثرة الخير)، ويد الدهر (أي: أبدا)، وتخاوَصَت النجوم (صغت النجوم للغروب)، ومَجَّت الشمسُ ريقها، ودَرأ الفيءَ، ومفاصل القول، وأتى بالأمر من فصِّه (أصله)، وهو رحب العَطَن (واسع الذراع)، وغَمْرُ الرداء (واسع الرداء)، ويخْلق ويَفري (أتى بالعجب)، وهو ضيق المَجَمّ (ضيق الذراع)، قلِق الوَضِين (دليل على الهزال)، رابط الجأش، وهو ألْوى بعيد المُسْتَمَرّ (مثل يضرب للرجل الذي لا يطاق نكارة)، وهو شراب بِأنقع (مثل يضرب لمن يعاود الأمر مرة بعد مرة)، وهو جُذَيْلُها المحكَّك وعُذَيقُها المُرَجَّب (يضرب للرجل يُستشفى برأيه وعقله)، وَمَا أشبه هَذَا من بارع كلامهم ومن الإيماء اللطيف والإشارة الدّالة.

وَمَا فِي كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب العالي أكثر وأكثر، قال الله جلّ وعزّ: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (البقرة: 178)، و(يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (المنافقون: 4)، و(وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) (الفتح: 21)، و(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: 28)، و(إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (يونس: 23)، و(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر: 43) وهو أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ.

وللعرب بعد ذَلِكَ كَلِم تلوح فِي أثناء كلامهم كالمصابيح فِي الدُّجى، كقولهم للجَموع للخير: قَثُوم، وهذا أمر قاتِم الأعماق، أسود النواحي، واقتحف الشرابَ كلّه، وَفِي هَذَا الأمر مصاعبُ وقُحَم (كل شاق من الأمور)، وامرأة حييّة قدِعة (قليلة الكلام)، وتَقَادَعوا تقادُعَ الفراش فِي النار، وَلَهُ قَدَم صِدق، وذا أمر أنت أردته ودبّرته، وتقاذَفَتْ بِنَا النَّوى، واشْتَفَّ الشراب، ولك قُرعة هَذَا الأمر وخياره، وما دخلت لفلان قريعة بيت، وهو يَبْهَر القرينة إِذَا جاذبته، وهم عَلَى قرو واحد أي طريقة، وهؤلاء قَرَابينُ الملك، وهو قشع إِذَا لَمْ يثبت عَلَى أمر، وقشبه بقبيح: لطخه، وصبي قصِع: لا يكادُ يشبّ، وأقبلت مَقاصِرُ الظلام، وقطَّع الفرسُ الخيلَ تقطيعا إِذَا خلَّفها، وَلَيْلٌ أقعَس لا يكاد يبرح، وهو مهزول قفر.

وهذه كلمات من قرحة واحدة، فكيف إِذَا جال الطرف فِي سائر الحروف مجاله؟

ولو تقصينا ذَلِكَ لجاوزنا الغرض ولما حوته أجلاد وأجلاد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة