منهاج التعامل مع الغارمين والمدينين في الإسلام
ظروف اقتصادية
طاحنة تجتاح الأمة، ويقع كثير من المسلمين تحت خطوط الفقر المعترف بها عالمياً،
ويقع الكثيرون كذلك تحت طائلة الحاجة والدين والغرم في سبيل تربية الأبناء وقضاء
احتياجاتهم اليومية.
ولذلك، نجد أن المجتمعات
المسلمة في حاجة لمن يدعم فقراءهم ومحتاجيهم، خاصة أولئك الذين غلبتهم الديون
وعجزوا عن سدادها؛ فأصابهم الغم والهم وتعرضوا للسجن والمرض نتيجة ذلك العجز.
وإحياءً للقيم
الإسلامية الأصيلة، نعرض لطبيعة التعامل الإسلامي مع هؤلاء الغارمين والمدينين لسد
احتياجاتهم في المقام الأول، ومحاولة وضع حلول لهذه الإشكالية قبل أن تحدث، ثم حل
مشكلاتهم في المقام الثاني للتيسير على المعسرين في السداد، وكذلك في السداد عنهم
في حال عجزهم التام عن سداد ديونهم.
موقف
الإسلام من الغارمين
يتفرد الإسلام
بنظام اجتماعي يعتمد على الرحمة والانتماء الفردي للمجتمع ومسؤولية المجتمع تجاه
الفرد، وباختصار فإن مفهوم التكافل الاجتماعي الإسلامي يعني مسؤولية المجتمع عن
تقديم الدعم لمن يستحقه مع ابتغاء الأجر من الله تعالى، فما موقف الإسلام من
الغارمين؟ وما الإجراءات التي نظمها لمساعدتهم وإخراجهم من أزماتهم؟
أولاً:
الحض على العمل:
الإسلام دين
العزة والكرامة وحفظ ماء الوجه، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن
يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» (متفق عليه).
ثانياً:
الاعتدال وعدم الإسراف:
دعا الإسلام إلى
الاعتدال في الأمر، فلا إسراف، وقد جعل الله عز وجل من صفات عباد الرحمن التوسط في
الإنفاق؛ لا يسرفون، ولا يقترون، لا يبذرون ولا يبخلون، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67).
والحقيقة أن بعض
المسلمين اليوم يلجأ للسفه والإسراف خاصة فيما يخص أمور الزواج والأعراس، فيغالي
في التجهيز، بالرغم من ضيق اليد ويشق على نفسه وعلى الشباب، فيخرج الطرفان بدُيون
لا قبل لهم بسدادها، ثم يتعرضون للملاحقة القانونية نتيجة العجز، ولذلك فقد وجه
الإسلام للاعتدال في الإنفاق والاكتفاء بما هو ضروري.
ثالثاً:
تجديد النية بالعزم على السداد:
الظروف قد تضطر
المسلم على الاستدانة لأمر خارج عن إرادته رغم تحريه سبل العيش الكريم، ورغم
اقتصاده في طريقة معيشته، ففي هذه الحالة عليه الاستعانة بالله في سداد دينه،
وعليه أن ينوي القضاء والتعجيل فيه ما استطاع لذلك سبيلاً، فعن أبي هريرة قال، قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها أدى عنه الله، ومن
أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (رواه البخاري)(1).
رابعاً:
دور الدولة في الأداء عن الغارمين:
إذا وقع الأمر
واستدان المسلم وعجز عن السداد، فهنا يأتي دور المجتمع المسلم، أو الدولة المسلمة
لإنقاذه من الوقوع فريسة ذلك العجز، وتركه نهبة للهم الذي يصيبه نتيجة مذلة الدَّيْن
الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين
وغلبة العدو وشماتة الأعداء»(2).
وقد كان عليه
الصلاة والسلام يقوم بنفسه بسداد دين من يموت من المسلمين إذا عجز ذووه عن السداد
قبل أن يوضع في قبره، كما روى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى
بالرجل المتوفى عليه الدَّيْن فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟»، فإن حدث أنه ترك
وفاء صلى عليه وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه» (متفق عليه).
وقد رغب النبي
صلى الله عليه وسلم المسلمين بالإنفاق في هذا الباب ابتغاءً لمرضاة الله تعالى،
فعن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار
ابتاعها، فكثر دينه فأفلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس
عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا
ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»(3).
وقد جعل القرآن
سهماً في أموال الزكاة لسداد دين الغارمين فقال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ
اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).
وقد تحققت في
عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز أسمى معاني التكافل بين المسلمين حين كلف الخليفة
ولاته بقضاء الدين عن المدينين فقال: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه من يقول:
إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث -أي وهو مع ذلك غارم- فكتب عمر:
إنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه،
ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم.. فاقضوا عنه فإنه غارم(4).
شروط
السداد عن الغارمين
1- أن يكون
الغارم عاجزاً عن السداد بنفسه، فهناك مصارف كثيرة للزكاة والصدقات في المجتمع
المسلم، ليس من بينها أن يتم الدفع للقادر على السداد(5).
2- أن يكون الدَّيْن
قد استخدم في طاعة أو مباح، مثل الزواج على سبيل المثال، ومثل تعليم الأبناء أو
إطعامهم أو كسوتهم، أما أن يكون الدَّيْن قد تم إنفاقه فيما حرم الله كالخمر أو في
معصية فلا يعطى ولا يسد دينه، كذلك من يسرف في أمر مباح لتحريم الإسلام مسألة
الإسراف من الأساس في قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ
مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، فسداد دَيْن من استدان لمعصية هو تشجيع لغيره على
الاستدانة اطمئناناً لأن هناك من يسدد له إذا عجز عن السداد، ولذلك فالمستدين
للمعصية لا يسدد عنه.
3- أن يكون قد
حان وقت سداد الدين، فإن كان دَيْناً مؤجلاً فقد اختلف العلماء فيه(6).
4- أن يكون دَيْناً
يحبس فيه المدين، كدين المعسر لدائن آخر، فلا يكون دين كفارة مثلاً، ولا دين زكاة،
فتلك ديون لله وحده سبحانه من يحكم فيها(7).
كم
يعطى الغارم؟
يقول الفقهاء:
يعطى الغارم قدر حاجته لسداد دينه، فإن تنازل الدائن عن دينه، أو عن جزء من دينه،
فعلى الغارم أن يرد هذا الجزء المقتطع من دينه، ومهما بلغت قيمة الدين فالمطلوب
سداده وإبراء ذمة المدين منه.
________________
(1) كنز العمال (6/
114).
(2) بلوغ المرام
للحافظ، ص 313.
(3) المرجع السابق.
(4) الأموال، ص
566.
(5) وهناك قول
للشافعي: إن الغني يعطى إذا كان غارماً، بالإضافة إلى المجموع ونهاية المحتاج، فلو
وجد ما يقضي بعض الدين، فيعان بقدر ما يقضي به دينه الباقي فقط.
(6) شرح الخرشي،
علي خليل (2/ 218).
(7) حاشية
الصاوي (1/ 233).