المسلمون والقرآن (1)

من القراءة إلى البلاغ المبين

نهدف في هذه السلسلة من المقالات إلى بيان سبل تجديد العلاقة الإسلامية بالقرآن الحكيم، وذلك من داخل القرآن نفسه؛ أي من خلال الوقوف على أهم الواجبات المفروضة على المسلمين ناحية القرآن الكريم كما يقررها القرآن ذاته موجهًا وحافزًا المسلمين إليها.

فالقرآن كتاب هداية، ولا تستقيم هداية الكتاب الحكيم إلا بالتعرض له بالطريقة الراشدة التي وجه الكتابُ المتعاملين معه والمؤمنين به إلى الالتزام بها؛ كي يحصلوا على كل منافعه وتتحقق بها هداياته، ويعد التعرف على هذه الطريقة الراشدة أوجب الواجبات على المسلمين ناحية القرآن الكريم.

الواجبات الأربعة الرئيسة نحو القرآن

1- واجب القراءة اللفظية-الصوتية (الترتيل): مصداقاً لقوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (المزمل: 4).

2- واجب التعلم والدرس والفهم (التدبر): مصداقاً لقوله تعالى: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: 29).

3- واجب اتباع هدايات الذكر الحكيم (العمل): أي العمل بما جاء به القرآن من تشريعات وقيم ومبادئ، لقوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ) (الأنعام: 155).

4- واجب دعوة الناس إلى القرآن (البلاغ): أي البلاغ به إلى العالمين، لقوله تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: 1).

مقصود «التلاوة الحقة»

ما نسعى إليه في هذه المقالات المتتابعة تحقيق مقصود قوله تعالى: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) (البقرة: 121)، ومراد هذه التلاوة هو تحقق العلم بالقرآن والعمل بهداياته، والحقيقة أن هذا النمط من التلاوة الواجبة يندرج تحته أنماط من التلاوة حتى يتحقق المرجو من القرآن.

يذكر الماتريدي في تأويلاته: «إن القرآن لم ينزل لمجرد قراءته فقط، لكنه نزل لمعانٍ ثلاثة؛ أحدهما: أن يُقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة؛ لئلا يذهب، ولا يُنسى، والثاني: أن يُقرأ لتذكُر ما فيه، وفهم ما أودع من الأحكام، وما لله عليهم من الحقوق، وما لبعضهم على بعض، والثالث: يُقرأ ليُعمل بما فيه، ويُتعظ بمواعظه، ويجعلونه إمامًا يتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه».

أولاً: واجب القراءة والترتيل:

إن الاتصال الأول للمسلم بالقرآن يكون عبر القراءة اللفظية–الصوتية لحروفه وكلماته وآياته، ويقوم هذا الاتصال على تنفيذ الأمر الإلهي بالترتيل، قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا).

والترتيل هو القراءة بتمهل لتكون تهيئة لعقل ووجدان القارئ لتدبر القرآن والتفكر فيه، وهذا هو المدخل الأول للتعامل مع القرآن، ويقصد بهذا المستوى من التعامل مع القرآن تحقيق التعامل المستقيم مع قراءة الحرف القرآني في نطقه ومخرجه، ومعرفة قواعد التناسب، وحقوق الحرف، وشكل استقامته، ومعيار تلك الاستقامة التي يجب أن يكون عليها اللسان حال النطق القرآني، وما يجب فيها وما لا يجب.

إن حق القراءة للقرآن لا يشبهه أيُّ حقٍّ لأية قراءةٍ أخرى؛ فقراءة القرآن تختلف عن قراءة غيره من النصوص المكتوبة وإن كانت بنفس لغته وحروفه، حيث تُشترط لهذه القراءةِ شروطٌ وقواعدُ لا تُشترَط لغيرها.

الترتيل مقدمة للفهم والتدبر

من مقاصد الترتيل أنه تقدمة لفهم القرآن وتهيئة المدركات العقلية والوجدانية لتلقي المعاني الظاهرة والكامنة، فيذكر الطبري في معنى قوله (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا): بيّن القرآن إذا قرأته تبيينًا، وترسل فيه ترسلًا، وقال السعدي: إن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، ويضيف القرطبي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهلٍ وبيانٍ مع تدبر المعاني.

وذكر الطبراني أيضًا: التَّرتِيلُ هو ترتيبُ الحروفِ على حقِّها في تلاوَتِها بتَبيُّنٍ وتثَبُّتٍ من غيرِ عجَلَةٍ، وكذلك التَّرَسُّلُ، والمعنى: تفَهَّم معانيَهُ، وطالِبْ نفسكَ بالقيامِ بأحكامهِ.

بين القراءة والاستماع والإنصات

ورد في قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل: 20)؛ أي: دراسته، وتحصيل حفظه، وألا يعرض للنسيان؛ قاله الخازن في «لباب التأويل».

ويأتي أيضًا قوله تعالى: (إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: 204)؛ حيث وقف أهل التفسير عند طبيعة الأمرين هنا «الاستماع» و«الإنصات»، ودورهما في تحقيق فعالية الاتصال والوصل المُزكى بالقرآن، وذكروا بأن مراد قوله: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ): هو أصغوا له سمعكم؛ لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، (وَأَنصِتُوا): فيقصد به أن تنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه.

فكأن الاستماع في مرحلة اللفظ أو الصوت هو تهيئة للنقلة التالية من وجه الاتصال بالقرآن، أي تهيئة التدبر والوعي ببياناته وهداياته.

إن مدخل «الترتيل» للتعامل مع القرآن أو القراءة الصوتية كما يفهمه كثير من المسلمين مجرد قراءة ألفاظ مجمعة في كلمات، لكنه تهيئة عبر قراءة مستقيمة وبيّنة من أجل أن يتحقق التدبر للهدايات القرآنية كمرحلة تالية، وذلك بعد التدبر الجزئي للمعاني والكلمات في مرحلة الترتيل الصوتي-اللفظي؛ فالعمل الصوتي-اللفظي للمسلم مع القرآن يتطلب التفكر ولو ظاهرًا في المنطوق.

إشكالية الواقع.. الوقوف عند الشكل دون المضمون

رغم القيمة الكبرى للترتيل ودوره في المراحل التالية، فإن أغلب المسلمين المعاصرين توقفوا عند صورة الأداء الشكلي للحرف والكلمة مع اللفظ القرآني، وغرقوا وجُهِدوا كثيرًا في هذه الصورة، لا سيما بعدما اتخذ البعض طريقة تعليم نطق الحرف القرآني حرفة يقتات منها.

ولعل هذا التوقف عند صورة الأداء الشكلي للحرف القرآني تحول لدى كثير من المسلمين إلى صارف عن المستويات التالية، وأصبح عائقًا في التحول من المنطوق إلى المفهوم.

القرآن.. مخزن حسنات أم كتاب هداية؟

من سلبيات تعامل المسلمين مع القرآن في هذا المستوى أيضًا الاكتفاء بالنطق القرآني واعتبار ذلك مقصد تعلم القرآن والتعامل معه، ومن ثم تحول القرآن إلى «مخزن للحسنات» عن طريق القراءة اللفظية أو الصوتية، لا أنه كتاب هداية للنفس والسلوك والجوارح والنظم والاجتماع الإنساني، ولعل هذا المظهر من التعامل هو ما نلاحظه بقوة في تعامل المسلمين مع القرآن موسميًا.

إن هذا التحول في هذه المرحلة مع القرآن أصبح من صوارف التعامل الراشد مع القرآن واستكمال خطة القرآن للاتصال المُزكى، وهيمنة فكرة جمع الحسنات الفردية دون جهد في تطوير التعامل مع القرآن، أو تحسين هذه الطريقة التي أُشيع تحصيلها في قراءة الحرف القرآني.

المقارنة بين السلف والواقع المعاصر

بصرف النظر عن طبيعة الروايات الواردة في فضل القراءة وسياقاتها الاجتماعية والإيمانية، فإنه يجب ألا ننسى أن هذه الروايات قد صدرت في وقت كان المسلمون فيه يتعلمون من القرآن العشر آيات ولا يتجاوزونها حتى يتعلموا غيرها، وأنهم كانوا يتدارسون آيات القرآن ويتذاكرونها بصورة دائمة.

كان النص القرآني في حالة من الحيوية والحركة في الواقع العملي للمسلمين بصورة لم تتحقق لدى المعاصرين بعد؛ بل إن حركة القرآن هذه دفعت المسلمين إلى آفاق العالم، وأخرجتهم من ضيق شبه الجزيرة العربية إلى سعة العالم للدعوة والبلاغ ونشر الحق والعدل، وأسس المسلمون بالقرآن حضارة استمرت ما يقرب من 10 قرون، وقامت على فيض عطائها الحضارة المعاصرة.

وهذا كله لم يحققه المسلمون المعاصرون، وهو ما يجب الالتفات إليه عند النظر إلى الاكتفاء بالتعامل اللفظي-الصوتي مع القرآن في صوره الشائعة، سواء القراءة العابرة أو الموسمية، أو في أعلى صور التعامل اللفظي الصوتي وهو الحفظ والاستظهار.

استعادة الوعي بالترتيل

لذلك، فالمسلمون مطالبون باستعادة مفهوم «الترتيل» ومقاصد «القراءة اللفظية» كما بينها القرآن الكريم ذاته، وكما قدمنا طرفًا منها هنا، وهو ما تلخصه رواية ابن مسعود: «إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم -أي حلوقهم- ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع»، وجاء في ذلك روايات عديدة، وهو ما ينبغي معه اتقاء هذا التحذير.

دور المؤسسات القرآنية

يجب تجديد مفهوم القراءة اللفظية بأن تكون قراءة واعية؛ أي أن يقع في وعي القارئ أن ما يقوم به من قراءة الألفاظ والحروف والكلمات والآيات إنما هو تمهيد للوعي والمعرفة؛ ولهذا جاء وصف خصائص القراءة الواعية بأنها تقوم على الترسل، والتمهل، والمكث، وهذه خصائص التأمل المبدئي لكل مقروء عامة والقرآن خاصة.

إن مؤسسات تعليم القرآن وحفظه واستظهاره المنتشرة في الأمة يجب أن تقف عند خصائص القراءة اللفظية للقرآن وأهميتها ودورها في الوعي بالقرآن وبتعاليمه وتحقيق مقاصده؛ أي تحقيق وعيٍ أولي بالمقروء في ضوء الاستعدادات الفطرية التي تقوم على حب استطلاع لكل خطاب.

كما يجب أن يُربى أطفال المسلمين على مثل هذا الوعي بالقرآن، وأن يتم إعداد معلمي القرآن على مثل هذه الأهداف حتى يتمكنوا من تحقيقها في المتعلمين، وذلك حتى يرسخ الحرف والكلمة فيقع في القلب ويتأمله العقل.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة