من «بدر» إلى «عين جالوت».. كيف استلهم القادة تكتيكات النبي ﷺ العسكرية لصناعة النصر؟

د. أشرف عيد

05 مارس 2026

0

إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية تثبت أن شجاعته وثباته، وحسن تخطيطه، واستخدامه تكتيكات مبتكرة في معاركه كان لها أثر كبير في مفاجأة العدو وخداعه وإحداث صدمة نفسية غير متوقعة أسهمت في تحقيق النصر؛ وهو ما دفع مونتجومري وات إلى الإشادة بعبقريته العسكرية في غزوة بدر بقوله: «وقد عادت عليهم قيادته بتفوق تكتيكي»(1).

وقعت غزوة بدر17 رمضان سنة 2هـ، وعدد المسلمين 314 رجلًا؛ وقريش نحو الألف متفوقة في العدد والعتاد.

تأثير الجغرافية المكانية في ميزان القوة العسكري

يهدف القادة العسكريون حديثًا في معاركهم بالسيطرة على جو المعركة بالطائرات الحديثة لإحداث تفوق في المعركة، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر» باستغلاله الطبيعة الجغرافية لأرض المعركة في اتخاذ الأماكن المرتفعة لجنوده، والوضع الأمثل لاتجاه الشمس، والتحكم في الموارد المائية بما يحدث له تفوقًا على عدوه وتحكمًا أكثر؛ فكان بأعلى الوادي، والمشركون أسفلَه، وجعل مقر قيادته في مكان مرتفع يعطيه رؤية كاشفة لميدان المعركة؛ فكان يتشاور فيه مع أبي بكر الذي يبلغ أوامره إلى جنوده.

واعتمد النبي صلى الله عليه وسلم في خطته على إحداث صدمة نفسية للعدو؛ فلما وصلت قريش إلى أرض المعركة كانت مفاجأتهم كبيرة؛ فالمسلمون يسيطرون على الأماكن المرتفعة التي أعطتهم تفوقاً نوعيّاً، وهم في مكان ليس لهم فيه اختيار؛ وسيطر المسلمون على بئر بدر، وأصبح الماء بحوزتهم، وهم محرمون منه، وما أدراك ما أثر العطش في الصحراء في يوم حار كيوم بدر!

استخدام الشفرات والزي الموحد لضبط الميدان ومنع الاختراق

تطورت النظم العسكرية الحديثة في استخدام الرسائل المشفرة في الحروب كلغة تواصل خاصة يعرفون مدلولها وحدهم؛ فلا يحدث اختراق للمعلومات، وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم نظام الشفرات في التواصل مع جنوده أثناء المعركة باستخدام كلمات لها مدلول خاص متعارف عليه كلغة توجيه أثناء المعركة كان يطلق عليها في عصره لفظ «الشعار»؛ فكان شعار المهاجرين «يا بني عبدالرحمن»، وشعار الخزرج «يا بني عبدالله»، وشعار الأوس «يا بني عبيد الله»، وإذا تم النداء بأي منهما؛ فيتحرك المقصود بالنداء وفق المقصد المتفق عليه دون أن يعرف العدو.

وإذا كانت الجيوش المعاصرة تستخدم الزي الموحد للجنود في المعارك؛ فقد اتبع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر» بطريقة تناسب عصره؛ حيث جعل لكل قوم شارة تميزهم يعرفون بعضهم بعضًا أثناء القتال، فكان شارتهم «الصوف الأبيض» يعلقونه في نواصي الخيل وأذنابها يتعارفون بها، أو بطريقة لف العمامة.

التحول التكتيكي من الدفاع الثابت إلى الهجوم الخاطف

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خطة الدفاع الثابت في مواجهة هجمات قريش بهدف وقف تقدمهم، وإضعاف قدرتهم القتالية، ونظم المقاتلين في صفوف طولية، وأمر أصحابه ألا يهجموا حتي يأمرهم، وإن هجم المشركون عليهم يرمونهم بالنبال، ولم يكن التراشق بالنبال من الأسلحة الشائعة بين العرب؛ وبالفعل فلما هجم المشركون رماهم المسلمون بالنبال، وثبتوا في مواجهتهم، واقتتل الفريقان قتالاً عظيمًا، واستطاع المسلمون منع اختراق العدو لصفوفهم، وعند ذلك اتجه النبي صلى الله عليه وسلم من الدفاع الثابت إلى الهجوم السريع؛ فأمر المسلمين أن يشدوا عليهم، فكانت هزيمة قريش مدوية، فقتل منهم 70 وأسر مثلهم، وقتل من المسلمين 14(2).

لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر» أسس «الإدارة اللوجستية» عندما اختار «العُدوة الدنيا»؛ ليسيطر على المرتفعات ويتحكم في مسرح العمليات، وكانت فكرة «الشعار»، و«الزي الموحد» سابقة لعصرها؛ لضبط الفوضى ومنع الاختراق، وكان نظام الصفوف ثورة تكتيكية ضد أسلوب الكر والفر العشوائي الذي اعتاد عليه العرب ما منح المسلمين تماسكًا في القتال.

التكتيك الجغرافي لأرض المعركة في «حطين»

استلهم صلاح الدين الأيوبي في معركة «حطين» (583هـ/ 1187م) التخطيط النبوي في غزوة «بدر» في استغلال جغرافية المكان، والسيطرة على الموارد المائية؛ فالعطش الذي أصاب قريش في «بدر» هو ذاته الذي أضعف جيش الصليبيين في «حطين».

استغلّ صلاح الدين تلال حطين كأداة إستراتيجية فعالة بما يحقق التفوق التكتيكي لجيشه، والسيطرة على موارد مياه طبرية، وقطع طريق الصليبيين إليها، واستغل اتجاه الرياح نحو الصليبيين؛ فأمر بإشعال النار في الأعشاب الجافة ما أدى إلى خنق خيولهم وفرسانهم بالدخان.

واتبع نظام الاستدراج؛ فقام صلاح الدين بمهاجمة مدينة طبرية وحصار قلعتها التي تتواجد بها زوجة ريموند الثالث لاستدراج الصليبيين؛ ما دفعهم للخروج من معسكر صفورية الحصين لقتاله في منطقة جافة قليلة الماء، والسير في أرض مكشوفة لمسافة تقترب من 20 كم في جو شديد الحر إلى موضع ليس لهم فيه اختيار؛ فاجتمع عليهم الحر والعطش والدخان؛ ما أدي إلى استنزاف قوتهم وإنهاكهم بدنيًا ونفسيًا قبل القتال.

وقام بتحييد قوة الصليبين؛ حيث تلجأ الدول حديثًا إلى استخدام أنظمة الدفاع الجوية في التصدي لطائرات العدو وتحييد قوته، وقد أدرك صلاح الدين أن القتال المباشر ليس في صالحه؛ لذا لجأ إلى تحييد قوة الصليبيين باستخدام الرماة آلاف السهام صوبهم ما تسبب في إرباك صفوفهم؛ فانقض عليهم الجيش الأيوبي لحسم المعركة بانتصار ساحق لهم، وأسر الأمراء الصليبيين(3).

المرونة التكتيكية والكمين الإستراتيجي في «عين جالوت»

كانت معركة «عين جالوت»، في 25 رمضان 658هـ/ 1260م، أمام المغول (القوى العظمى في ذلك الوقت) مهمة للغاية، فالمواجهة المباشرة نتيجتها هزيمة حتمية لجيش المماليك؛ نظراً لأن ميزان القوة في صالح المغول؛ لذا اتجه قطز إلى استخدام تكتيكات غير تقليدية في المعركة؛ الاستدراج والتحول من الدفاع للهجوم، لإحداث توازن نوعي في القوة المتفاوتة بينهما.

اعتمد قطز على طلائع استطلاعية في جمع معلومات دقيقة لاستكشاف تحركات المغول؛ ما أتاح للمماليك اختيار ميدان المعركة وتوقيتها بدقة متناهية، وقسّم جيشه إلى قلب وجناحين، وقام بيبرس في المقدمة بتنفيذ مناورة انسحاب وهمي منظمة؛ ما أوهم المغول بالانكسار؛ فاندفعوا بكل قوتهم نحو سهل عين جالوت ليقعوا في فخ الكمين المحكم الذي أعد لهم.

واتبع التوظيف الجغرافي (الإطباق من المرتفعات)؛ حيث أخفى قطز قواته الرئيسة خلف التلال والأحراش المحيطة بالسهل، وعندما توغل المغول في العمق انقضت عليهم القوات المختبئة من فوق المرتفعات؛ ما أدى لفوضى في صفوف المغول وتحييد قوة فرسانهم.

وكذلك ثبات القيادة؛ فعندما حدث انكسار لميسرة جيش المماليك نتيجة ضغط المغول القوي؛ فما كان من السلطان قطز إلا أن ألقى خوذته على الأرض تعبيرًا عن استعداده للموت، وصرخ «واإسلاماه.. يا الله انصر عبدك قطز على التتار»؛ فاستعادت تلك الصرخة الروح القتالية؛ ما أحدث صدمة نفسية لدى المغول، وتحوّل المماليك من الدفاع إلى الهجوم الذي انتهى بهزيمة المغول، وأنقذ نصر «عين جالوت» الإسلام من أخطر تهديد تعرض له، فلو انهزم المماليك لما بقي للمسلمين في العالم دولة كبيرة(4).

هذا تخطيط موجز يربط بين تكتيكات معارك «بدر»، و«حطين» و«عين جالوت»

المبدأ العسكري النبوي في بدر

التطبيق في حطين

التطبيق في عين جالوت

التوظيف الجغرافي للمكان

استخدام تلال حطين واتجاه الرياح

استخدام التلال المحيطة للكمين

التحكم بالموارد الماء

السيطرة على مياه طبرية

السيطرة علي ينابيع المياه في عين جالوت

الصدمة النفسية/ المفاجأة

الدخان وحرارة الجو والعطش

التظاهر بالانسحاب ثم الإطباق المفاجئ


الهوامش
  • 1 محمد في المدينة، تعريب: شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت، ص21.
  • 2 الطبري: جامع البيان في تأويل آي القرآن (13/ 564)، رواية رقم (16140)؛ ابن الأثير: الكامل في التاريخ (2/ 20)؛ فتح الباري، كتاب: المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا، رقم (3743)؛ عبد الرؤوف عون: الفن الحربي في صدر الإسلام، ص254.
  • 3 د. سعيد عاشور: الحركة الصليبية، جـ2، ص772- 779.
  • 4 رانسيمان: الحروب الصليبية، جـ3، ص 528- 537؛ د. رحمة بنت حمود النفيعي: أثر اختيار الزمان والمكان في هزيمة الصليبيين في حطين والمغول في عين جالوت، بحث منشور بجامعة الأزهر، كلية اللغة العربية بأسيوط، الجزء الرابع أبريل 1444هـ/ 2023م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة