من بيت العائلة إلى الأسرة النووية.. الخسائر والمكاسب

من بيت العائلة إلى الأسرة النووية.. الخسائر والمكاسب

لا تزال ذاكرة بعض الآباء والأمهات في عالمنا العربي تحتفظ بالكثير من الذكريات والحكايات عن حياتهم داخل بيت العائلة، تلك الذكريات التي إذا ما رووها لأبنائهم وأحفادهم اليوم ربما بدت على وجوههم علامات الدهشة والاستغراب؛ إذ تظهر وكأنها تنتمي إلى زمن آخر حيث تفتحت أعين العديد من الأجيال الجديدة وقد انقطعت صلة أغلبهم بمثل هذه الثقافة التي ظلت سائدة حتى وقت قريب.

وعلى الرغم من أن هذا النمط من الحياة داخل بيت العائلة لم يختفِ تماماً، فلا تزال هناك أسر تحافظ عليه بدرجات متفاوتة، فإنه لم يعد هو القاعدة، بل أصبح -في كثير من المدن والبيئات الحضرية على وجه الخصوص- أقرب إلى الاستثناء؛ إذ تراجعت العلاقة اليومية الممتدة بين أفراد العائلة لتحل محلها لقاءات متباعدة تحكمها المناسبات والظروف.

وللموضوعية، فإنه لا يمكن لنا الجزم بتفضيل نمط على آخر بشكل نهائي، فلكل منهما إيجابياته وسلبياته التي لم تظل حبيسة التنظير، بل انعكست آثارها على الواقع الاجتماعي حتى أضحت جزءاً من الوعي الجمعي، كما عبرت عنها بوضوح خبرات وتجارب الذين عايشوا كلا النمطين.

كذلك، فإننا لا نعد الحديث في الوقت الحالي عن بيت العائلة مجرد استدعاء لذكريات الماضي أو ما يعرف بـ«النوستالجيا»، بل يمثل مدخلاً مهماً لفهم التحولات التي شهدتها مجتمعاتنا واستكشاف العوامل التي أثّرت في بنية الأسرة وطبيعة روابطها وأنماط سلوكها حتى يمكننا معالجة الكثير من الإشكاليات التي تواجه هذه الأسر.

فلسفة العائلة الممتدة

في فترة زمنية ليست بالبعيدة، كان الشاب في كثير من الأسر العربية إذا ما رغب في الزواج سارعت أسرته لتهيئة مكان له داخل بيت العائلة، فتخصص له غرفة أو أكثر بحسب الإمكانات لتبدأ حياته الزوجية، وهو لا يغادر البيت الذي نشأ فيه، وبذلك تولد الأسرة الصغيرة من داخل الأسرة الكبيرة لتصبح امتداداً طبيعياً لها لا كياناً منفصلاً عنها.

ومن هنا عرفت العائلة الممتدة بهذا الاسم؛ إذ لا تقتصر على الأب والأم والأبناء، بل تمتد لتشمل الجد والجدة والأبناء المتزوجين وأحفادهم في إطار معيشي واحد، وهو النمط الذي لم يكن مجرد حل لأزمة سكنية بقدر ما كان تعبيراً عن فلسفة اجتماعية متكاملة.

ولعل أهم أسس هذه الفلسفة تكمن في المشاركة والتكافل وتوزيع الأدوار داخل العائلة الواحدة، فالأبوان وحدهما لا يتحملان المسؤولية عن كل ما يتعلق بهذه الأسرة سواء على مستوى تربية الأبناء مثلاً أو على المستوى المادي؛ حيث العائلة الممتدة وحدة اقتصادية واحدة، فيما لا يهمل فيها كبار السن الذين عجزت قدراتهم عن القيام بمتطلبات الحياة.

كما يتجذر في هذه العائلة الممتدة الإحساس العميق بالانتماء، فلا يشعر الفرد بأنه جزء من أسرة صغيرة فحسب، بل من كيان أكبر يمنحه الدعم والحماية ويشكل له مرجعية في المواقف المختلفة.

سلبيات الأسرة النووية

في مقابل العائلة الممتدة، كان ما عرف بالأسرة النووية التي تتكون من الزوج والزوجة وأبنائهما غير المتزوجين، ويعيش أفرادها في إطار معيشي مستقل، وتتولى هذه الأسرة بصورة مباشرة وظائف التنشئة والتربية والرعاية واتخاذ القرارات بعيداً عن الإقامة المشتركة مع الأقارب.

وعكس انتشار هذا النمط جملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، حيث التوسع العمراني وارتفاع معدلات الانتقال إلى المدن وتنامي شعور الاستقلال لدى الأزواج والزوجات لأسباب عديدة، لتكون النتيجة النهائية أنه لم يعد مستغرباً أن يقوم الشاب المقبل على الزواج بالبحث عن سكن مستقل بغض النظر عن طبيعة سكن عائلته من حيث مدى توافر إمكانات استقبال الأسرة الجديدة.

وبالطبع، فقد بلور نمط الأسرة النووية العديد من الأسس الاجتماعية، ومن ثم أعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة نفسها، فالتربية على سبيل المثال أضحت مسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على الأب والأم بعد أن كانت موزعة داخل العائلة الممتدة على عدد أكبر من الأفراد.

كما تبدلت طبيعة العلاقات العائلية، فغابت المعايشة اليومية والمشاركة المباشرة في تفاصيل الحياة، حيث تم اختزال هذه العلاقات في زيارات متقطعة أو عبر التواصل المرتبط بالمناسبات، بل وأحياناً انعدام ذلك فيما أضحت هذه الأسرة الجديدة مطالبة بصورة كاملة بتوفير احتياجاتها المادية وتدبير شؤونها الحياتية.

ماذا خسرنا؟

لعله ومن خلال استعراض نمطي العائلة الممتدة والأسرة النووية، يتكشف لنا أن ثمة آثاراً اجتماعية سلبية ترتبت على تراجع نموذج بيت العائلة، ويبرز منها تراجع حالة الترابط اليومي بين أفراد العائلة الواحدة، فبعدما كان يعيش جميع أفراد العائلة بين جدران بيت واحد يلتقون ويتسامرون ويتناقشون ويأكلون سوياً ويحملون هماً واحداً ويوزعون المهام المختلفة بكل الحب والرضا، باتت كل أسرة بعيدة عن الأخرى.

وكانت النتيجة الطبيعة لهذا النمط الجديد ومع مرور الوقت أن تفقد الأجيال الجديدة التواصل العميق مع الأجداد الجذور، إذ وفي أفضل الأحوال تقتصر هذه العلاقة على لقاءات عابرة؛ ما ضيع على هذا الجيل فرصة عظيمة لتلقي الحكايات المتشبعة بالدروس والقيم فضلاً عن نقل الخبرات.

وعلى المستوى الاقتصادي، أضحت الأسرة الصغيرة تتحمل وحدها كل الأعباء المادية بعد أن غاب عنصر التكافل العائلي؛ الأمر الذي عرض بعض الأسر للضغوط والتوترات خاصة في ظل المتطلبات الاقتصادية المتزايدة للحياة الحديثة؛ ما كان له انعكاسه الذي لم يعد خافياً بشأن ارتفاع نسب الطلاق.

كما اشتملت السلبيات على تراجع الرقابة العائلية على أفرادها التي كانت تساهم في ضبط السلوك والحد من الانحرافات، بالإضافة لاحتواء المشكلات قبل تفاقمها، وما تبع ذلك من تنامي مظاهر العزلة والانغلاق الاجتماعي للأسر الصغيرة ليضعف بكل أسف التماسك العائلي شيئاً فشيئاً.

وماذا كسبنا؟

غير أن قراءة هذا التحول من زاوية الخسائر وحدها قد لا تكون منصفة بصورة كاملة؛ إذ إن انتقال كثير من الأسر العربية من نمط العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية لم يأتِ فقط بنتائج سلبية، بل ارتبط كذلك بجملة من المكاسب التي فرضتها طبيعة الحياة الحديثة وتحولاتها المتسارعة.

وبرز من هذه الإيجابيات أن هذا النمط منح قدراً أكبر من الخصوصية والاستقلال للأسرة الجديدة، حيث يتمكن الزوجان من إدارة شؤون الأسرة واتخاذ القرارات الخاصة بها وفق ما يتراءى لهما دون تدخل من أطراف أخرى قد لا يراعي تدخلها ظروف الأسرة واحتياجاتها أو يؤثر بشكل سلبي على واقع الأسرة ومستقبلها.

وبالطبع، قلل النمط الجديد من الاحتكاكات اليومية بين أفراد العائلة والناتجة عن التعايش المشترك، الذي تتكشف خلاله اختلاف الطبائع والسلوكيات وتباين أساليب التربية والنظر إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيما ساعد بعض الأزواج على تحمل المسؤولية بصورة أكبر ومن ثم الاعتماد على أنفسهم على مختلف المستويات.

لكننا وأمام كل ما استعرضنا نقر بأنه ربما لا يكون الحل في العودة الكاملة إلى نمط بيت العائلة بصورته القديمة، بقدر ما يكمن في الحفاظ على روحه ومعانيه من خلال إحياء التجمعات العائلية المنتظمة، وتعزيز حضور الجد والجدة في حياة الأبناء والأحفاد، وإيجاد أنشطة مشتركة تعيد دفء العلاقات داخل الأسرة، إلى جانب الحد من العزلة الرقمية التي أخذت تتسلل حتى إلى البيت الواحد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة