من تحت الركام إلى القاعات الدراسية.. الجامعة الإسلامية تعيد فتح أبوابها في غزة
«تولد الحياة
من رحم الموت»، بهذه العبارة افتتح رئيس الجامعة الإسلامية بغزة د. أسعد أسعد
كلمته أمام الطلبة الجدد خلال استقبالهم في رحاب الجامعة، إيذاناً بعودة التعليم
الوجاهي لأول مرة منذ عامين في مشهد يختزل معنى الصمود والانبعاث من تحت الركام.
الجامعة
الإسلامية التي أمطرتها طائرات الاحتلال بعشرات الصواريخ منذ الأيام الأولى لمعركة
«طوفان الأقصى»، وسوت مبانيها ومختبراتها وقاعاتها بالأرض، أعادت فتح أبوابها من
جديد، معلنة استئناف الحياة الأكاديمية، في رسالة تحدٍّ واضحة لإرادة الاحتلال
الذي جعل من تدمير القطاع التعليمي هدفاً مركزياً ضمن حربه، سعياً لنشر سياسة
التجهيل وكسر مقومات الصمود الفلسطيني.
وتعد الجامعة
الإسلامية بغزة واحدة من أعرق الجامعات الفلسطينية وأقدمها، إذ يعود تأسيسها إلى
العام 1978م، وقد استطاعت على مدار عقود أن تحتل مكانة راسخة في منظومة التعليم
العالي، حيث تتمتع بعضوية عدد من الهيئات الأكاديمية والدولية، من بينها: اتحاد
الجامعات العربية، واتحاد جامعات العالم الإسلامي، وتجمع جامعات البحر الأبيض
المتوسط، والاتحاد الدولي للجامعات.
وتقدم الجامعة
عشرات البرامج الأكاديمية في درجات البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراة، في
تخصصات متنوعة أبرزها الطب البشري، والهندسة، والآداب، والتربية والعلوم، وغيرها
وبلغ عدد خريجيها منذ تأسيسها وحتى نهاية العام الأكاديمي 2021-2022م، نحو 87 ألف
خريج وخريجة، أسهموا في رفد المجتمع الفلسطيني بالكفاءات العلمية والمهنية.
تحريض واستهداف متواصل
منذ انطلاقها،
واجهت الجامعة الإسلامية حملات تحريض «إسرائيلية» متواصلة، من أبرزها التقرير الذي
أصدره «مركز تراث الاستخبارات ومعلومات الإرهاب» في تل أبيب عام 2010م، الذي زعم
أن الجامعة تقوم بأعمال تحريضية ضد دولة الاحتلال، وادعى أنها تشكل معقلاً سياسياً
واجتماعياً وعسكرياً للمقاومة، وروج مزاعم باستخدام مختبراتها في تصنيع الأسلحة
والصواريخ، وهي ادعاءات نفتها الجامعة جملة وتفصيلاً.
وخلال الحرب،
تفاخر وزير الحرب «الإسرائيلي» السابق يوآف غالانت بقصف جيشه ما تبقى من مباني
الجامعة قائلاً: «بتدمير سلاح الجو للجامعة الإسلامية، فإن معقل التحريض أزيل من
الوجود»، في تصريح يعكس البعد العقابي والسياسي للاستهداف.
كما تعرف
الجامعة بدورها في تخريج شخصيات سياسية وقيادية، أبرزهم إسماعيل هنية، ومحمد
الضيف، ويحيى السنوار، وإبراهيم المقادمة، وصلاح شحادة، ونزار ريان، ومحمود
الزهار، ومحمد دحلان.. وغيرهم.
سجل طويل من الاستهدافات
لم يكن
الاستهداف «الإسرائيلي» للجامعة الإسلامية وليد معركة «طوفان الأقصى»، بل يعود إلى
سنوات مضت، ففي عدوان عام 2008-2009م، في المعركة المعروفة باسم «الفرقان» دمر
سلاح الجو «الإسرائيلي» مبنى المختبرات المركزي وسواه بالأرض.
وفي العام 2012م،
تعرضت الجامعة لحملة تحريض «إسرائيلية» واسعة عقب قرار منظمة الأمم المتحدة
للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) منحها مقعداً فيها.
وخلال عدوان صيف
العام 2014م في المعركة المعروفة باسم «العصف المأكول»، عاد جيش الاحتلال لتدمير
الجامعة مستهدفاً مبنى الإدارة الذي تعرض في حينه لتدمير جزئي، وتضررت بفعلة
العديد من مبانيها لأضرار فادحة نتيجة استخدام الاحتلال قنابل شديدة الانفجار في
قصفه.
فيما أدت دولة
الكويت على وجه الخصوص دوراً محورياً في إعادة إعمار بعض مباني الجامعة وتجهيزها،
إضافة إلى دعم الطلبة والتكفل بدراستهم عبر منح سنوية قدمت للآلاف منهم.
الجامعة الإسلامية خلال «طوفان الأقصى»
وخلال معركة «طوفان
الأقصى»، دمر الاحتلال بشكل كامل 10 مبانٍ للجامعة في الحرم الرئيس بمدينة غزة،
ولم ينج سوى 3 مبانٍ دمرت بشكل جزئي، جرى ترميمها وتأهيلها لاستقبال الطلبة مع
تخصيص عدد من القاعات لأقسام الشؤون الأكاديمية ودوائر القبول والتسجيل ورئاسة
الجامعة.
كما لم تسلم
فروع الجامعة في وسط وجنوب القطاع، إذ دمر الاحتلال مبنى الجامعة في خان يونس، عبر
التفخيخ والنسف في منطقة يصعب الوصول إليها حالياً نظراً لوقوعها خلف الخط الأصفر؛
ما يجعل تقييم حجم الضرر النهائي أمراً معقداً.
وفي وسط القطاع،
دمر الاحتلال مبنيي كليتي الطب والهندسة، إضافة إلى مستشفى الجامعة، الواقع في
منطقة نتساريم.
على صعيد الكادر
البشري، فقدت الجامعة أكثر من 500 طالب وطالبة من طلابها، إضافة لنحو 70 من
كوادرها الإدارية والأكاديمية، بينهم رئيس الجامعة د. سفيان التايه.
وبالرغم من ذلك،
واصلت الجامعة مسيرتها الأكاديمية خلال الحرب، بالاعتماد على التعليم الإلكتروني،
وتمكنت من تخريج 4 آلاف طالب وطالبة، ومناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراة.
ومع استئناف
التعليم الوجاهي، بلغ عدد الطلبة الملتحقين بالجامعة للعام الدراسي 2025-2026م،
نحو 2200 طالب وطالبة، في مشهد يؤكد أن الجامعة الإسلامية، رغم الاستهداف والدمار،
ما زالت قادرة على إنتاج المعرفة وحماية حق الفلسطينيين في التعليم.
اقرأ أيضاً:
6 جامعات في غزة دمّرها الاحتلال الصهيوني
كيف دمر الصهاينة مستقبل الأجيال في غزة؟