يوميات متقاعد (21)
من سوق الذهب إلى منبر الدعوة.. تجربة استثمارية وإنسانية
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.
تجربة بين الاستثمار في الذهب وخدمة الدعوة
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث في 17 أبريل 2025م، حيث كنا مجموعة من الأصدقاء في طريقنا إلى سوق
الذهب بعد أن سمعنا أن الاستثمار في الذهب يعطي أرباحاً مجزية، ففكرنا في أن نخوض
هذه التجربة لنعرف الأمر عن قرب.
وصلنا إلى سوق
الذهب فوجدنا أن أماكن وقوف السيارات قليلة، بينما كان عدد الناس كبيراً، كان كثير
من الناس موجودين في السوق يتجهون إلى المحلات ويقبلون على شراء الذهب، أوقفنا
سيارتنا بعيداً قليلاً ثم سرنا حتى وصلنا إلى السوق.
دخلنا أحد
المحلات وسألنا عن سعر جرام الذهب في ذلك اليوم، قيل لنا: إن سعر جرام الذهب «عيار
24» يبلغ 33 ديناراً، وهنا تذكرت أمراً مهماً، ففي عام 2022م؛ أي قبل ثلاث سنوات
تقريباً، كان سعر جرام الذهب «عيار 24» نحو 27 ديناراً فقط.
وهذا يعني أن
سعر الذهب ارتفع خلال ثلاث سنوات بمقدار 6 دنانير للجرام الواحد، وهذه زيادة واضحة
إذا نظر الإنسان إليها من زاوية الاستثمار طويل المدى.
الذهب كخيار استثماري
عندما نقارن هذا
الارتفاع بما تقدمه البنوك من أرباح على الودائع نلاحظ فرقاً واضحاً، فالأرباح
البنكية غالباً تكون محدودة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى نسب قليلة سنوياً.
أما الذهب فقد
ارتفع خلال ثلاث سنوات بما يقارب 30% تقريباً، وإذا نظرنا إلى هذا الارتفاع على
أساس سنوي، فإن متوسط العائد قد يصل إلى نحو 10% في السنة تقريباً.
لهذا، يرى كثير
من الناس أن الاستثمار في الذهب وسيلة مناسبة للحفاظ على قيمة المال مع مرور الزمن،
فالذهب تاريخياً يعد من الأصول التي تحتفظ بقيمتها، بل وقد ترتفع قيمتها مع مرور
السنوات.
وقد عاصر كثير
من الناس تغير أسعار الذهب عبر العقود الماضية، ففي بداية تسعينيات القرن الماضي
كان سعر جرام الذهب يقارب 3 دنانير تقريباً، أما اليوم فقد تجاوز 50 ديناراً للجرام
الواحد، وهذا يدل على أن الذهب يميل إلى الارتفاع عبر الزمن، خصوصاً في الفترات
التي يشهد فيها العالم تقلبات اقتصادية أو سياسية.
الفضة فرصة استثمارية
لم يقتصر حديثنا
في السوق على الذهب فقط، بل سألنا كذلك عن الفضة، فبعض المستثمرين يرى أن الفضة قد
تكون فرصة استثمارية جيدة أيضاً.
سألنا في أحد
المحلات إن كانت الفضة متوفرة لديهم، فأخبرنا البائع أن الفضة ستصل في الأسبوع
القادم، لكنه طلب دفع مبلغ مقدم لحجز الكمية، لكنني رفضت هذا الأمر مباشرة، لأن
بيع الذهب والفضة له أحكام شرعية واضحة، ومن هذه الأحكام أن يكون البيع يداً بيد؛
أي أن يتم تسليم الثمن وتسليم السلعة في الوقت نفسه.
أما دفع المال
دون استلام السلعة فلا يصح في مثل هذه المعاملات؛ ولذلك أخبرتهم أنني لا أستطيع
شراء الفضة بهذه الطريقة، وأنني أفضل شراءها عندما تكون موجودة ويمكن تسلمها في
الحال، أما سعر الفضة في ذلك اليوم فقد كان يقارب 370 ديناراً للكيلوجرام الواحد، ومن
المعروف أن الفضة غالباً تُباع بالكيلوجرام.
ويشير بعض
المتابعين للأسواق العالمية إلى أن الطلب على الفضة يزداد بسبب استخدامها في
الصناعات الإلكترونية والتقنية الحديثة.
تجربة شراء الفضة
بعد يومين تقريباً،
وتحديداً في 19 أبريل 2025م، علمنا أن هناك محلاً في منطقة صباح السالم يبيع الفضة
مباشرة ويسلمها للمشتري في الحال، فذهب بعض أفراد العائلة إلى ذلك المحل واشتروا
كيلوجرامين من الفضة بمبلغ يقارب 700 دينار تقريباً، وكان الهدف من ذلك الاحتفاظ
بالفضة مدة من الزمن انتظاراً لارتفاع سعرها في المستقبل.
وقد سألنا صاحب
المحل سؤالاً مهماً، قلنا له: إذا أردنا بيع الفضة في المستقبل فهل سيشتريها منا، فأجاب
بأن هذا أمر طبيعي، وأنّه بإمكاننا العودة إلى المحل في أي وقت وبيع الفضة بحسب
سعر السوق في يوم البيع، وتحدث صاحب المحل كذلك عن أهل الكويت بإعجاب كبير، وأشار
إلى ما عرف عنهم تاريخياً من نشاط تجاري واهتمام بالاستثمار والتجارة عبر الأجيال.
قاعدة الذهب في أوقات الأزمات
سألت صاحب المحل
أيضاً عن توقعاته لسعر الذهب في المستقبل، فأجاب بأن الأوضاع العالمية الحالية
تشير إلى استمرار ارتفاع الذهب، موضحاً أن هناك قاعدة يعرفها كثير من المتابعين
للأسواق، وهي أن سعر الذهب يرتفع غالباً عندما تزداد الأزمات والاضطرابات في
العالم، فالناس في تلك الظروف يبحثون عن أصول آمنة لحفظ أموالهم، فيتجهون إلى
الذهب.
لكن الإنسان لا
يتمنى استمرار الأزمات؛ لأن الاستقرار والسلام خير للبشرية كلها، ونحن نسأل الله
أن تهدأ النزاعات وأن تعيش الشعوب في أمن واستقرار دائمين.
الانتقال إلى موقف آخر
بعد هذه التجربة
المتعلقة بالاستثمار في الذهب والفضة، وقع موقف آخر في التاريخ نفسه؛ ففي يوم 19
أبريل 2025م، دُعيت إلى حضور حفل وداعي لداعية هندي عاش في الكويت أكثر من 30 سنة
يعمل في مجال الدعوة الإسلامية، وكان اسمه الداعية رفيق، وقد طُلب مني أن ألقي
كلمة في هذا الحفل تقديراً لجهوده الطويلة في خدمة الدعوة.
تجربة خطب الجمعة باللغة الإنجليزية
كان الداعية
رفيق مشرفاً على برنامج خطب الجمعة باللغة الإنجليزية، وهذا أمر مهم في بلد يعيش
فيه عدد كبير من المسلمين غير الناطقين باللغة العربية.
كنا مجموعة من 6
أشخاص نلقي خطب الجمعة باللغة الإنجليزية، كان معنا م. حسام، ود. إبراهيم، ود. عبدالله،
وأ. أحمد، وأنا كنت الخامس بينهم، أما السادس فكان أخاً هندياً اسمه شرف الدين.
كنا نخطب أحياناً
في مسجد العثمان في العاصمة، وأحياناً في مسجد الردهان في منطقة الفنطاس، ثم
انتقلنا لاحقاً إلى مسجد يوسف المطوع في محافظة مبارك الكبير، وبعد ذلك إلى مسجد
بدرية في منطقة العقيلة، وكانت الخطب تقام مرة كل شهرين تقريباً لكل خطيب.
كلمة في حفل الوداع
في الحفل
الوداعي، تحدثت عن جهود الداعية رفيق في تنظيم هذا العمل، فقد كان يحرص على
التواصل مع الخطباء وتذكيرهم بالمواعيد ومتابعة مستوى الخطب.
وكان يحضر بعض
الخطب ويقدم ملاحظات مفيدة لتحسين الأداء، وأذكر أنه نصحني مرة بأن أقلل من
المفاهيم الإدارية في الخطبة، وأن أزيد من الجوانب الإيمانية التي تتضمن الآيات
والأحاديث.
وقد استفدت من
هذه النصيحة، وحاولت أن أجعل خطبي أكثر ارتباطاً بالنصوص الشرعية، وكانت هذه الخطب
تُسجَّل بالصوت والصورة ثم تُنشر ليستفيد منها من لم يتمكن من حضورها.
تنوع الحضور في الخطب
من الأمور
الجميلة في هذه الخطب أن الحضور كان متنوعاً من جنسيات عديدة، فقد كان عدد الحضور
يتراوح بين 300 و400 شخص تقريباً؛ من الهند وبنغلاديش وباكستان، ومن دول جنوب شرق
آسيا مثل ماليزيا وتايلاند، كما كان هناك مسلمون من أفريقيا مثل كينيا ونيجيريا.
وأحياناً كان
يحضر مسلمون من أوروبا وأمريكا، بل إن بعض السفراء كانوا يشاركون في الحضور، خاصة
من الدول الإسلامية التي لا يتحدث معظم سكانها اللغة العربية.
وهذا يدل على
أهمية تقديم الخطاب الديني بلغات مختلفة حتى يصل إلى جميع المسلمين مهما كانت
لغاتهم وثقافاتهم.
وفي الختام،
نسأل الله أن يبارك في كل الجهود التي تبذل لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يوفق
العاملين في مجال الدعوة إلى ما فيه الخير والصلاح.
___________
مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً