المشاعر في القرآن الكريم (9)

من يحبهم الله؟

د. مي سمير

20 أكتوبر 2026

29

تص2وير رمزي لعباد الله الذين يحبهم ويحبونه

اهتم القرآن الكريم بتوعية المؤمنين حول مشاعر الحب وذكر من يحبهم الله لما لذلك من أهمية بالغة في حياة الإنسان، وميز الهدي القرآني بين الحب كشعور مذموم يعني التعلق بالدنيا وملذاتها الزائلة، والحب المحمود وهو حب الإنسان لله وسعيه في إرضائه وعبادته بما يليق بجلاله سبحانه.

وبعد أن بينّا في المقالتين السابقتين التناول للقرآني لشعور الحب والقواعد القرآنية الحاكمة لهذا الشعور، ننطلق في هذا المقال نحو التعرف إلى ما رسمه القرآن لنا من طريق إلى حب الله، فالعلاقة بين الله والمؤمن لا تقتصر على العبادة أو أداء الفرائض وإنما هي علاقة حب بين العبد وربه، هذا الحب يعلمنا الله إياه في القرآن الكريم عبر دليل شامل ورد فيه التوجيه الإلهي لنا في تبيان ما يحبه الله وما لا يحبه الله، كي يكون ذلك الدليل هاديًا ومعينًا للمؤمن في طريق سيره إلى الله.

وبينما ورد الحب في القرآن ما يربو على 80 مرة، فإن نصف تلك المواضع وردت في سياق قوله تعالى: (والله يحب..»، وقوله تعالى: «والله لا يحب..»، بما يدلل على أهمية أن يسعى المؤمن في التعرف إلى السلوكيات والأخلاق التي تسمو بعلاقته بالله إلى رتبة الحب وأن ينتهي عما يبغضه الله نأياً بنفسه عن سخطه.

يحبهم ويحبونه

والمبدأ الأساسي في الطريق إلى حب الله قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54)، فهذه الآية القرآنية تُرسخ للعلاقة بين الله وعباده على قاعدتين رئيستين:

الأولى: أن علاقة الله بعباده في التصور القرآني يجب أن تتأسس على الحب الذي يُفضي إلى بذل العبد نفسه في سبيل إرضاء الله؛ ولذلك فالتصور الإسلامي في رأي سيد قطب: يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل، وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزيه، إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين.

الثانية: أن حب الله مُقدم على حب العباد، وفي ذلك يقول القشيري: ومحبة الحق أوجبت محبة العبد، ومحبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم، فمحبة الله لعباده هي المبدأ الذي به بدأت علاقة الحب بين العبد وربه، وفي ذلك بشرى للمؤمنين ورجاء للعاصين بحب الله لهم ورأفته بهم، فإذا ما أدرك الإنسان حب الله له سعى بكل جوارحه لإرضاء الله وارتقى في سبيل محبته.

من يحبهم الله

أرشدنا الهدي القرآني إلى الطريق نحو حب الله في 16 موضعًا ورد فيها سمات من يحبهم الله تعالى، وهي المنازل التي يجدر بكل مسلم السعي لتزكية نفسه للارتقاء إليها طمعًا في الاستزادة من حب الله تعالى وابتغاء مرضاته، وإذا ما تأملنا تلك السمات وجدناها قد ضمت جوامع الأخلاق العالية والطباع السامية، ومن أهم تلك السمات التي يحبها الله كما وردت في القرآن الكريم:

1- الله يحب المحسنين:

ورد ذكر حب الله للمحسنين 5 مرات، وهي السمة الأكثر تكرارًا في سمات من يحبهم الله، ما يشي بأهمية الإحسان كمنزلة رفيعة من منازل علاقة العبد بالله وبغيره من العباد.

وقد ربط الهدي القرآني بين الإحسان وعدد من القيم في مواضع حب الله لهذا السلوك، فأخبر عن الإحسان وصلته بعدد من الأخلاق الحميدة في قوله تعالى: (ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی ٱلسَّرَّاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَٱلۡكَـٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ) (آل عمران: 134).

كما أشار سبحانه إلى العلاقة بين الإحسان والإنفاق، فالصدقة إحسان من الغني إلى الفقير، فقال جل شأنه: (وَأَنفِقُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ) (البقرة: 195)، وفي موضع ثالث ربط سبحانه بين الصفح والإحسان: (فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ) (المائدة: 13)، وأخيرًا أرشد تعالى إلى العلاقة بين الإحسان والتقوى في قوله: (لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحۡسَنُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ) (المائدة: 93).

2- الله يحب المتقين:

أشار القرآن الكريم إلى حب الله لعباده المتقين 3 مرات، وردت جميعًا في معرض الإخبار عن الوفاء بالعهد، فقال سبحانه: (بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ) (آل عمران: 76)، وفي سورة «التوبة» وردت التقوى في سياق الإخبار عن العهد مع المشركين؛ (إِلَّا ٱلَّذِینَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ثُمَّ لَمۡ یَنقُصُوكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَمۡ یُظَـٰهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ) (التوبة ٤)، ثم قال تعالى: (كَیۡفَ یَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِینَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦۤ إِلَّا ٱلَّذِینَ عَـٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِیمُوا۟ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ) (التوبة: 7).

وبهذا المعنى تكون التقوى التي ركز الهدي القرآني على تبيان حب الله لها في جوهرها قيمة تتجلى في علاقات البشر مع بعضهم بعضاً في السياق الاجتماعي، بوفائهم بعهودهم وتحري الصدق والتزام الاستقامة والانصياع لأوامر الله ونواهيه في معاملاتهم وليس فقط في شأن العبادات.

3- الله يحب المقسطين:

أشار سبحانه إلى حبه لعباده المقسطين وأثنى عليهم في 3 مواضع، فقال تعالى: (وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ) (المائدة: 42)، (وَإِن طَاۤىِٕفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱقۡتَتَلُوا۟ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِی تَبۡغِی حَتَّىٰ تَفِیۤءَ إِلَىٰۤ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَاۤءَتۡ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوۤا۟ۖ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ) (الحجرات: 9)، (لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ) (الممتحنة: 8).

وفي المواضع الثلاثة يبين الله لعباده أنه عدل يحب العدل، ويأمرهم بالقسط في الحكم فيما بينهم، ويرشدهم إلى أن القسط لا يتبع الهوى ولا يميل إلى أحد دون أحد، بل يحثهم على التزام العدل حتى مع المُخالفين لهم في الدين.

4- الله يحب الصابرين:

أثنى القرآن الكريم في غير موضع على فضيلة الصبر، فالصبر على مشقة الطاعة وترك المعاصي جوهر الإيمان بالله تعالى، والصبر الذي يحتسب فيه المؤمن أجره على الله من أسمى درجات حب العبد لله، ولذلك أخبر الوحي عن حب الله للصابرين في قوله تعالى: (وَكَأَیِّن مِّن نَّبِیࣲّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّیُّونَ كَثِیرࣱ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِینَ) (آل عمران: 146).

5- الله يحب المتوكلين:

ذكر القرآن الكريم حب الله للمتوكلين مرة واحدة في قوله تعالى: (فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ) (آل عمران: 159)، وجماع التوكل هو الأخذ بالأسباب وتفويض الأمر لله وحسن ظن العبد بتدبير الله تعالى له.

6- الله يحب المتطهرين:

تناول الهدي القرآني سمة التطهر وحب الله للمتطهرين في موضعين، الأول في سورة «البقرة» ربط فيه سبحانه بين صفة التوبة وصفة التطهر؛ (وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِیضِۖ قُلۡ هُوَ أَذࣰى فَٱعۡتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ فِی ٱلۡمَحِیضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ یَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَیۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰ⁠بِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ) (البقرة: 222)، فكما أن التوبة تطهر من ذنوب النفس، فإن التطهر من دنس الجسد هما من سمات المؤمن التي يحبها الله تعالى في عباده.

وفي الموضع الثاني ورد التطهر في سورة «المائدة» مرتبطًا بالتقوى في معرض قصة مسجد الضرار؛ (لَا تَقُمۡ فِیهِ أَبَدࣰاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ یَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِیهِۚ فِیهِ رِجَالࣱ یُحِبُّونَ أَن یَتَطَهَّرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِینَ) (التوبة: 108)، فكأن التقوى وتزكية النفس من النفاق لا تنفصل عن حب التطهر من الدنس.

7- الله يحب المجاهدين:

كان الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس من أبرز السمات التي أوردتها آية سورة «المائدة» بعد قوله تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، فالجهاد أسمى درجات الحب لله وبذل النفس والتضحية بها فداء لله ونصرة دينه، ولذلك صرح سبحانه بحبه للمجاهدين في سبيله في قوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ) (الصف: 4).

وبذلك أرسى القرآن الحب كقاعدة راسخة للعلاقة بين الإنسان وربه في التصور الإسلامي، فأخبر سبحانه عباده بحبه لهم مبشرًا إياهم بما أعده لهم من حسن مئاب، وهو في ذلك لم يكتفِ بترك الأمر عامًا دون إرشاد، بل صاغ الهدي القرآني دليلًا مُحكمًا للسمات والأخلاق التي يحبها الله في عباده لتكون لهم أهدافًا سامية يستمرون بتزكية أنفسهم أملًا في تحصيل حب الله وإرضائه.

لتصبح بذلك العبادة في جوهرها حبًا لله، يُلزم الإنسان بالصدق مع ربه والاستقامة على طريقه والاستقامة في اتباع منهجه متحليًا بالأخلاق والسلوكيات التي أخبر الله عن حبه لها، وهي في معظمها سلوكيات وأخلاق ارتبطت بحُسن الانصياع لأوامر الله واجتناب نواهيه وتطبيق ذلك عمليًا في حياة الإنسان الخاصة والعامة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة