من يحرّك خيوط اللعبة في اليمن؟

جمال خطاب

30 سبتمبر 2026

16

من يحرّك خيوط اللعبة في اليمن؟

عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى اليمن في أواخر حياته، ثم حرص الخلفاء الراشدون من بعده على تثبيت سلطتهم فيها وربطها بمركز الدولة الإسلامية، لم يكن ذلك مجرد امتداد جغرافي أو توسع سياسي، فقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه مبكراً ما أثبتته قرون التاريخ لاحقاً؛ أن اليمن ليس أرضاً عادية على هامش العالم، بل من أهم العقد الجيوسياسية في التاريخ، فمن يسيطر على اليمن يقترب من التحكم ببوابة البحر الأحمر الجنوبية، ويؤثر في حركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويملك قدرة استثنائية على التأثير في معادلات الأمن والاقتصاد الإقليمي والدولي.

ولهذا السبب لم يكن اليمن يوماً خارج حسابات الإمبراطوريات الكبرى، فقد تنافست عليه قوى الفرس والروم قبل الإسلام، ثم كان مطمعاً للأحباش، وبعد ذلك سعت القوى الاستعمارية الأوروبية، وعلى رأسها البرتغال وبريطانيا، إلى ترسيخ وجودها فيه أو بالقرب منه.

واليوم، بعد أكثر من 1400 عام، لم تتغير المعادلة الأساسية كثيراً، فما زالت الجغرافيا اليمنية هي نفسها، وما زال باب المندب هو ذاته، وما زالت القوى الدولية تدرك أن من يمتلك النفوذ في هذه المنطقة يمتلك ورقة إستراتيجية لا تقدر بثمن.

مسار الصراع يكشف أن القرار اليمني لم يعد يُصنع داخل صنعاء أو عدن بل يتأثر بعواصم إقليمية ودولية

ومن هنا، فإن اختزال الأزمة اليمنية في كونها حرباً أهلية أو أزمة إنسانية فقط يعد تبسيطاً مخلاً للواقع، فالحرب التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد ليست مجرد صراع بين أطراف يمنية متنافسة، بل هي نتاج تداخل معقد بين عوامل محلية وإقليمية ودولية، جعلت اليمن ساحة مفتوحة لصراع الإرادات والنفوذ والمصالح.

لماذا يتصارع العالم على اليمن؟

لا يمكن فهم اليمن دون فهم باب المندب، فهذا المضيق الضيق الذي يفصل بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي يعد أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم، ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر باب المندب نحو 8.7 ملايين برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً خلال عام 2023م، قبل أن تتراجع الأرقام بشكل كبير نتيجة التوترات الأمنية في البحر الأحمر.

ويصف المفكر الأمريكي روبرت كابلان، في كتابه «انتقام الجغرافيا»، الممرات البحرية الضيقة بأنها مفاتيح النفوذ السياسي العالمي، ولا يوجد مثال يوضح هذه الفكرة أكثر من باب المندب، فمن خلال هذا المضيق تمر التجارة بين الشرق والغرب، كما تعبره السفن المتجهة إلى قناة السويس، التي تعتبر بدورها أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

أما المؤرخ البحري الأمريكي ألفريد ماهان، صاحب نظرية القوة البحرية الشهيرة، فقد لخص المعادلة بقوله: «من يسيطر على البحار يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة يسيطر على ثروة العالم»، ولهذا فإن الصراع على اليمن ليس صراعاً على الجبال أو المدن أو القرى، بقدر ما هو صراع على موقع جغرافي يمثل مفتاحاً للتأثير الدولي.

من يصنع القرار الحقيقي في اليمن؟

رغم تعدد اللاعبين المحليين في اليمن، من الحكومة المعترف بها دولياً، إلى الحوثيين، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والقوى القبلية والحزبية، فإن مسار الصراع يكشف أن القرار اليمني لم يعد يصنع بالكامل داخل صنعاء أو عدن أو مأرب، بل بات يتأثر بدرجات متفاوتة بعواصم إقليمية ودولية عديدة.

إيران استغلت سنوات الفوضى لبناء نفوذ يمنحها قدرة استثنائية على الضغط والتأثير في القرار اليمني

فالسعودية (الجارة الشمالية) تنظر إلى اليمن باعتباره خط الدفاع الأول عن حدودها الجنوبية، وأحد أهم محددات أمن الخليج، كما يمثل اليمن أهمية إستراتيجية لمصر؛ لأن أمن باب المندب يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس التي تعتمد عليها القاهرة اقتصادياً وجيوسياسياً، وفي المقابل، ينظر كيان الاحتلال «الإسرائيلي» إلى البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما جزءاً من أمنه البحري وخطوط تجارته القادمة من آسيا.

أما الولايات المتحدة والقوى الغربية، فتتعامل مع اليمن بوصفه حلقة أساسية في منظومة أمن الممرات البحرية العالمية، وتحديداً في المثلث الإستراتيجي الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب فقناة السويس، كما تنظر الصين، صاحبة أكبر شبكة تصدير في العالم، إلى استقرار اليمن باعتباره ضرورة لحماية سلاسل الإمداد العالمية ومشاريع «الحزام والطريق» التي تعتمد على الملاحة الآمنة عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر.

وفي هذا المشهد المعقد، استغلت إيران سنوات الفوضى لبناء نفوذ يمنحها قدرة استثنائية على الضغط والتأثير؛ إذ باتت تمتلك بصورة غير مباشرة أوراق نفوذ بالقرب من مضيق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً، وهما اثنتان من أخطر وأهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، وهكذا تحول اليمن من أزمة داخلية إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الأمن والطاقة والتجارة العالمية، بحيث أصبح فهم أي قرار سياسي أو عسكري مستحيلاً دون النظر إلى شبكة المصالح الدولية التي تتحرك خلف المشهد.

كيف خسر العرب اليمن؟

بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة اليمنية، يبرز سؤال جوهري: لماذا لم تُحسم الحرب رغم تعدد المبادرات والتدخلات الدولية والإقليمية؟

الغياب العربي أبرز عوامل تفاقم الأزمة اليمنية.. فالجامعة العربية لم تنجح في احتواء الصراع أو منع تدويله

يرى عدد من الباحثين أن بقاء اليمن في حالة شبه الفوضى يخدم مصالح قوى عديدة؛ إذ يبرر استمرار الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر وخليج عدن، ويمنح القوى الإقليمية والدولية أدوات نفوذ إضافية عبر دعم أطراف محلية متنافسة، كما يجعل أي حل سياسي مرهوناً بالتوازنات الخارجية أكثر من الإرادة اليمنية الداخلية.

في المقابل، يعد الغياب العربي الجماعي أحد أبرز عوامل تفاقم الأزمة، فالجامعة العربية لم تنجح في بناء إطار عربي فعال لاحتواء الصراع أو منع تدويله؛ ما سمح بنقل الملف تدريجياً إلى أروقة الأمم المتحدة والعواصم الإقليمية والدولية، ويرى مراقبون أن هذا الفراغ الإستراتيجي أتاح لقوى غير عربية توسيع نفوذها في واحدة من أهم المناطق الحيوية للأمن القومي العربي.

أما مجلس التعاون الخليجي، فكان الأكثر حضوراً عبر المبادرة الخليجية عام 2011م، ثم الجهود السياسية والعسكرية اللاحقة، لكنه نجح في احتواء بعض الأخطار دون أن يتمكن من إعادة بناء الدولة اليمنية أو إنهاء الانقسام القائم بصورة مستدامة.

وعلى الجانب المصري، ورغم أن أمن باب المندب يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس، فإن القاهرة فضلت اتباع سياسة حذرة تركز على استقرار الملاحة البحرية، لكن اضطرابات البحر الأحمر كلفت مصر خسائر كبيرة، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس من نحو 10.2 مليارات دولار عام 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار في عام 2024م، بحسب تصريحات رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع.

وفي المحصلة، أدى غياب إستراتيجية عربية موحدة إلى تحويل اليمن من عمق إستراتيجي عربي إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، فيما ظل الشعب اليمني والاقتصاد العربي أكبر الخاسرين من استمرار حالة الاستنزاف والفوضى.

كيف استغلت إيران الغفلة العربية لصالحها؟

يصعب فهم التمدد الإيراني في اليمن بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها العالم العربي خلال العقدين الأخيرين، فطهران لم تصنع هذه الأزمات، لكنها أظهرت قدرة استثنائية على استغلالها وتحويلها إلى فرص إستراتيجية، فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، ثم الحرب العالمية على الإرهاب، نجحت إيران في بناء نفوذ سياسي وعسكري واسع داخل العراق عبر أحزاب وفصائل حليفة، حتى باتت بغداد تمثل إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني خارج حدودها.

الموقع الجغرافي اليمني تحول بسبب الغفلة العربية والتآمر الدولي والحقد الطائفي من نعمة إلى نقمة

ومع اندلاع ثورات «الربيع العربي» عام 2011م، انشغلت الدول العربية بأزماتها الداخلية ومخاوفها الأمنية، بينما تحركت إيران بسرعة لحماية وتعزيز مناطق نفوذها.

ففي سوريا، دعمت إيران نظام بشار الأسد بكل ثقلها السياسي والعسكري، وفي لبنان، استثمرت حالة الفوضى الإقليمية لتقوية حضور «حزب الله» عسكرياً وسياسياً، أما في اليمن، فقد وجدت في الانهيار التدريجي للدولة فرصة نادرة لبناء علاقة إستراتيجية مع جماعة الحوثي؛ ما منحها نفوذاً على الضفة الغربية من الجزيرة العربية.

وهكذا أصبحت إيران تمتلك أوراق ضغط تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن، بما يتيح لها التأثير في مسارات الطاقة والتجارة العالمية عبر الاقتراب من مضيقي هرمز وباب المندب معاً، ومن منظور إستراتيجي، تعد هذه النتيجة واحدة من أكبر المكاسب الجيوسياسية التي حققتها طهران خلال العقود الأخيرة، مستفيدة من الفوضى العربية أكثر مما استفادت من قوتها الذاتية المباشرة.

لعنة الجغرافيا

هكذا تحول الموقع الجغرافي اليمني بسبب الغفلة العربية والتآمر الدولي والحقد الطائفي والمصالح الضيقة من نعمة إلى نقمة، فالشعب اليمني هو الخاسر الأكبر من صراع يتجاوز حدوده؛ إذ يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني الاقتصاد من انهيار حاد وتفكك مؤسسات الدولة، لكن الخسارة لم تقتصر على اليمنيين وحدهم، فالعالم العربي خسر جزءاً مهماً من قدرته على التحكم ببوابته الجنوبية، فيما تضررت مصر اقتصادياً من اضطرابات باب المندب وتراجع إيرادات قناة السويس بحدة.

استعادة استقرار اليمن ليست مسألة يمنية داخلية فحسب بل ضرورة إستراتيجية عربية وإسلامية تمس أمن الخليج

وفي الوقت الذي توسع فيه نفوذ قوى إقليمية ودولية غير عربية حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تحول اليمن من ركيزة للأمن القومي العربي إلى ساحة صراع مفتوحة، إنها لعنة الجغرافيا حين تعجز الأمة عن حماية موقع يدرك الآخرون قيمته أكثر مما يدركه أصحابه.

قضية أمن قومي عربي

لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون هذه الحقيقة منذ أكثر من 14 قرناً، عندما نظروا إلى اليمن باعتباره ركيزة من ركائز أمن الدولة الإسلامية واستقرارها الاقتصادي.

والدرس الأهم الذي يقدمه اليمن اليوم هو أن الجغرافيا لا تعرف الفراغ، فمن يهمل موقعاً إستراتيجياً بهذا الحجم يتركه بالضرورة لقوى أخرى تملأه لصالحها؛ ولذلك، فإن استعادة استقرار اليمن ليست مسألة يمنية داخلية فحسب، بل ضرورة إستراتيجية عربية وإسلامية تمس أمن الخليج، ومستقبل قناة السويس، واستقرار البحر الأحمر، وسلامة التجارة العالمية بأسرها.

الهوامش
  • 1 روبرت كابلان، انتقام الجغرافيا.
  • 2 هنري كيسنجر، كتاب النظام العالمي.
  • 3 مجموعة الأزمات الدولية، تقارير دورية عن اليمن والحوثيين والتدخلات الإقليمية.
  • 4 مؤسسة راند، دراسات النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة