يوميات متقاعد (9)

مواقف في الفقه والذكاء الاجتماعي

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

في فقه السفر.. متى نقصر ومتى نُتم؟

إليكم موقفاً، وقع يوم الإثنين 24 فبراير 2025م؛ فقد وصلتني دعوة من أخينا أبي نواف لزيارة مزرعته في منطقة العبدلي، ولأن قيادة السيارة لمسافة ساعة ونصف ساعة تُعد متعبة بالنسبة لي، اقترحت عليه أن يرسل من يقلّني، فوقع الاختيار على إمام مسجدنا الشيخ محمد.

انطلقنا بسيارته، غير أننا لم ننتبه إلى أن خزان الوقود لم يكن ممتلئاً، إذ لم يتجاوز الثلث، وصلنا بحمد الله، وأكرمنا أبو نواف بغداء طيب من لحم الغنم ولحم الإبل؛ فاخترت الغنم، بينما تناول الشيخ محمد لحم الإبل.

وعند دخول وقت صلاة العصر، سألنا الشيخ محمد: هل من أكل لحم الإبل يجب عليه الوضوء؟

والجواب: نعم، لثبوت ذلك في الحديث النبوي الصحيح: «توضَّؤوا من لحومِ الإبلِ، ولا توضَّؤوا من لحومِ الغنمِ».

ثم طُرح سؤال آخر: هل نقصر الصلاة أم نتمها؟ أنا شخصياً أتممت الصلاة؛ لأني لا أشعر أني في حكم المسافر، بينما أفتى الشيخ محمد بجواز القصر؛ لأن مسافة الرحلة تجاوزت 80 كيلومتراً، وهذا اختلاف فقهي معتبر؛ فالعبرة عند بعض أهل العلم بالنية والشعور بالسفر وعدم الاستقرار، فمن قصر فلا يُلام، ومن أتم فلا يُلام.

اختبار الوقود.. واختبار التوكل

وعند الاستعداد للعودة، أدركنا أن كمية الوقود المتبقية قد لا تكفينا للوصول، خصوصاً مع ضعف الإنترنت وعدم قدرة تطبيقات الملاحة على إرشادنا لأقرب محطة، وبعد بحث، وجدنا محطة تبعد نحو 15 كيلومتراً، وهو تماماً المدى الذي يشير إليه عدّاد الوقود.

سرنا في صحراء الكويت، ورفعنا أيدينا إلى السماء، ندعو الله أن يبلغنا المحطة قبل نفاد الوقود، وبالفعل، وصلنا إليها في اللحظة الأخيرة؛ توقفت السيارة تماماً عند مضخة التعبئة! حمدنا الله وشكرناه، وشعرنا بمعنى قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة: 186)، كان ذلك موقفاً حياً يُجسِّد قرب الله ممن يدعوه، ويؤكد أن التوكل الصادق لا يخيّب.

بعد تعبئة الوقود، قلت للشيخ محمد مازحاً: من مصلحة السيارة أحياناً أن يصل الوقود فيها إلى الصفر، لتتخلص من الشوائب العالقة؛ فارتاحت نفسه، وانطلقنا عائدين، حتى وصلنا إلى حيّنا سالمين شاكرين؛ فاللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، استغرقت الرحلة 6 ساعات كاملة، من الساعة الحادية عشرة صباحاً حتى الخامسة مساءً.

حوار وفكرة.. وبودكاست قادم

خلال الرحلة، طلب مني الشيخ محمد ترشيح أسماء أكاديمية وإعلامية للمشاركة في بودكاست حواري يخدم قضايا المجتمع، فاقترحت عليه 9 أسماء من الأكاديميين والمثقفين، من جامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، ومن خارجها، رجالاً ونساءً، وقدّمت له أرقام التواصل لتسهيل التنسيق.

من الرحلة إلى العِبرة

وفي يوم الإثنين 25 فبراير 2025م، الذي صادف يوم استقلال الكويت، استثمرنا العطلة في صلة الرحم والعمل المجتمعي، زرت أختي الطبيبة، وأثنيت أمام بناتها على دورها الإنساني ضمن مشروع مستشفى غزة، الذي يقدّم استشارات طبية عبر الإنترنت لأهلنا في غزة.

لاحظت أن هذا العمل أعاد إليها الحيوية والنشاط، وهنا رسالة مهمة: الإنسان إذا تُرك بلا عمل خبا عطاؤه، وإذا أُشعر بقيمته ودوره في خدمة الآخرين ازداد حيوية وإيجابية.

استقبال رمضان.. ورسائل القلوب

وفي 28 فبراير 2025م، وبعد صلاة المغرب، كنا نترقب إعلان رؤية هلال رمضان في ديوانية المسجد، أُعلن أن تلك الليلة هي أولى ليالي رمضان، وأن السبت هو أول أيامه.

بعد صلاة العشاء، أدينا أولى ليالي التراويح، وفي تلك الليلة أرسلت رسائل تهنئة رمضانية لما يقارب 9500 شخص عبر مجموعات بث مختلفة، داخل الكويت وخارجها، وقد ذكرت فيها ألقابهم المهنية فقط من دون ذكر أسمائهم، وقد تلقيت نحو 950 رداً؛ أي ما يعادل 10%، وهي نسبة مرتفعة قياساً بالرسائل العامة.

ومن باب الفائدة الإدارية:

1- الرسائل العامة يُتوقع أن يكون التفاعل معها بحدود 3%.

2- تخصيص الخطاب (حتى ولو بلقب مهني) يرفع نسبة التفاعل إلى قرابة 10%.

3- ذكر الاسم صراحة في التواصل الإلكتروني يرفع التفاعل إلى قرابة 45%، هذا وبالله التوفيق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة