يوميات متقاعد (28)

مواقف واقعية تعلّم الطمأنينة والحذر

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

مواقف من الحياة.. بين الطمأنينة والحذر والاختيار الصحيح

الحياة مليئة بالمواقف التي تختبر قراراتنا، وتكشف عن مدى وعينا، وقوة إيماننا، وقدرتنا على التصرف في اللحظات الحرجة، بعض هذه المواقف يمر سريعاً، وبعضها يترك أثراً عميقاً في النفس، يدفعنا للتأمل واستخلاص العبر، وفي هذا المقال، أسرد لكم 3 مواقف واقعية عشتها خلال أيام متتالية، تحمل في طياتها دروساً مهمة في الطمأنينة، والحذر، وحسن الاختيار.

أولاً: موقف المصعد والطمأنينة بالإيمان:

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث في 11 مايو 2025م، كنت يومها في مدينة بورصة بجمهورية تركيا، في مجمع المكان الذي كنا نسكن فيه.

كنت داخل مصعد، وأنا صاعد إلى الدور الرابع، حيث الشقة التي نسكن فيها، فإذا بالمصعد يتوقف فجأة، دون أي إنذار، ولا توجد أي طريقة لإخبار الناس أني داخل المصعد.

الحمد لله أن الهاتف الجوال كان معي، فاتصلت بحارس المجمع، فبادر مباشرة بإبلاغ الصيانة لفتح المصعد، استغرقت العملية حوالي 15 دقيقة حتى تم فتح الباب.

الذكر والقرآن مصدر الطمأنينة في أوقات الخوف والأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل

خلال هذه الدقائق، خطر في بالي احتمال أن يسقط المصعد من مكانه، خاصة أنه كان متوقفاً بين الدور الثالث والرابع، تخيّلت لو سقط، فإن جميع عظامي قد تتحطم، مباشرة، قررت أن أتمدّد على أرضية المصعد، حتى إذا وقع، يتوزّع الأثر على الجسم كله، وهذه طريقة هندسية طبية قرأت عنها سابقاً، وتبيّن أنها صحيحة.

ثم بدأت أتعامل مع الموقف نفسياً، قرأت شيئاً من القرآن الكريم، فقرأت سورة «الفاتحة»، و«المعوذتين»، و«آية الكرسي»، وأوائل سورة «البقرة»، والآيتين الأخيرتين منها، بدأت أهدّئ نفسي، وأستحضر قول الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

كما قمت بفتح الهاتف وقراءة الرسائل القديمة، والرد عليها، رغم أنها لا علاقة لها بالموقف، لكن الهدف كان إشغال النفس، وعدم تركها للقلق والخوف، وبفضل الله، تم فتح المصعد بعد 15 دقيقة، وكان الباب في منتصف المسافة بين الطابقين، فاضطررت إلى القفز للخروج، وسلّم الله، والحمد لله.

الدروس المستفادة من هذا الموقف

1- الذكر والقرآن مصدر الطمأنينة الحقيقي في أوقات الخوف.

2- التعامل العملي مع الأزمات مهم، مثل اتخاذ وضعية تقلل الضرر.

3- إشغال النفس يمنع تضخيم الخوف.

4- الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله.

ثانياً: موقف المطار وأهمية الحذر:

في اليوم التالي (12 مايو 2025م)، كنا في طريق العودة من بورصة إلى الكويت عبر مطار صبيحة في إسطنبول، كنا واقفين في الطابور عند كاونتر الخطوط الجوية الكويتية، ننتظر دورنا.

تقدم نحوي رجل من نفس الوطن، تبدو عليه سمات الوقار، وكان معه عدد كبير من الحقائب، حوالي 6 أو 7 شنط، وطلب مني أن أراقبها حتى يذهب لقضاء حاجته.

هنا يطرح السؤال نفسه: ماذا تفعل في مثل هذا الموقف؟

بلا تردد، قلت له: سامحني، لا أستطيع أن أراقب الشنط، وطلبت منه أن ينتظر زوجته أو يبحث عن شخص آخر، بدا عليه الانزعاج، ولم يذهب، بل انتظر زوجته.

لا تجامل على حساب سلامتك والقوانين وُضعت لحمايتك وحُسن النية لا يكفي بالمواقف الأمنية

قد يتساءل البعض: لماذا رفضت؟

الجواب بسيط، لوائح المطارات واضحة جداً، وتنص على عدم ترك الأمتعة دون مراقبة، وكذلك عدم حمل أمتعة شخص لا تعرفه، لأنك لا تعلم ما بداخل هذه الحقائب، وقد تكون فيها مواد ممنوعة؛ ما يعرضك للمساءلة القانونية.

بل إنني مررت بموقف مشابه في مطار آخر، عندما طلب مني شخص أن أراقب حقيبته في أثناء ذهابه إلى دورة المياه، فرفضت طلبه، وطلبت منه أن يأخذها معه.

بعد أن عاد الرجل في مطار صبيحة، حاولت تلطيف الجو، فصافحته واعتذرت إليه، وشرحت له السبب، لكنه تقبّل الأمر بصعوبة، ثم صادف أن جلستُ في الطائرة خلفه مباشرة، لكني كنت مطمئناً أني اتخذت القرار الصحيح.

الدروس المستفادة من هذا الموقف

1- لا تجامل على حساب سلامتك.

2- القوانين وُضعت لحمايتك، فالتزم بها.

3- حُسن النية لا يكفي في المواقف الأمنية.

4- الاعتذار يخفف من حدة المواقف، لكنه لا يعني التراجع عن القرار الصحيح.

ثالثاً: الزواج من فتيات بلدنا وفتيات من بلدان أخرى:

في 13 مايو 2025م، دار بيني وبين الأهل نقاش مهم حول ظاهرة بدأت تنتشر، وهي بحث بعض الشباب عن الزواج من خارج البلد.

طرحت السؤال: لماذا لا يجد الشباب زوجات من داخل البلد؟

كان الجواب: لأنهم لا يجدون التوافق في الشخصية والطباع.

الزواج ليس مجرد ارتباط عاطفي بل هو توافق في البيئة والعادات والتقاليد

لكن الحقيقة أن المشكلة أعمق من ذلك، هناك نوع من المبالغة لدى بعض الأمهات في عدم الإفصاح عن بناتهن، حتى أصبح كثير من الناس لا يعرف شيئاً عن بنات بلدهم، وكأنهن في صندوق مغلق، وهذا يعيق فرص التعارف المشروع.

الشباب يبحث عن الفتاة الصالحة، لكنه لا يجد معلومات كافية، فيتجه إلى الخارج، وهنا تظهر مشكلة أخرى: إذا تزوج الشباب من الخارج، فمن سيتزوج بنات بلدنا؟

الزواج ليس مجرد ارتباط عاطفي، بل هو توافق في البيئة والعادات والتقاليد، الفتاة من نفس المجتمع تفهم طبيعة الحياة، وتنسجم بسهولة أكبر؛ لذلك، أدعو الشباب إلى التريث، والبحث الجاد داخل بلدنا، وسؤال الثقات، وعدم التسرع في اتخاذ قرار الزواج من الخارج.

الدروس المستفادة من هذا النقاش

1- التوازن مطلوب بين الخصوصية والانفتاح الاجتماعي.

2- المجتمع مسؤول عن تسهيل الزواج، وليس تعقيده.

3- الزواج من نفس البيئة غالباً أكثر استقراراً.

4- البحث الجاد يؤدي إلى نتائج أفضل من الاستعجال.

الطمأنينة تأتي من الإيمان والحذر يأتي من الوعي والاختيار الصحيح يأتي من التفكير المتزن

هذه ثلاثة مواقف عشتها خلال أيام قليلة، لكنها تحمل معاني كبيرة، من مصعد متوقف، إلى موقف في المطار، إلى نقاش اجتماعي، نجد أن الإنسان في كل لحظة أمام اختبار؛ إما أن يتصرف بحكمة، أو يندفع بعاطفته.

فالطمأنينة تأتي من الإيمان، والحذر يأتي من الوعي، والاختيار الصحيح يأتي من التفكير المتزن.

أسأل الله أن يرزقنا جميعاً حسن التصرف في المواقف، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


___________

مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة