موريس آليه.. محارب الفائدة البنكية في قلب الرأسمالية

موريس آليه.. محارب الفائدة البنكية في قلب الرأسمالية

لم يكن موريس آليه مجرد أستاذ للاقتصاد؛ بل كان ظاهرة فكرية فريدة جمعت بين دقة الفيزيائي ونبوءة الفيلسوف، آليه الحائز على جائزة «نوبل» في الاقتصاد عام 1988م لم يكن ثائراً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كان ابناً باراً للمنهج العلمي الصارم، ومع ذلك، فإن أفكاره حول الفائدة والنظام النقدي جعلته يبدو في عيون الليبرالية عموماً ورجال الاقتصاد خصوصاً كشخصية شاذة متطرفة، وعلى حد تعبيرهم مهرطق يحاول هدم المعبد من الداخل.

وفى هذا المقال، نستعرض بعمق فلسفة آليه، وكيف رأى في سعر الفائدة والائتمان المصرفي القائم على العدم جذور الأزمات الاقتصادية التي تضرب العالم بصفة دورية.

أولاً: من الفيزياء إلى الاقتصاد.. رحلة البحث عن الحقيقة:

وُلِد موريس آليه في باريس عام 1911م، ونشأ في ظلال الحرب العالمية الأولى، بدأ مسيرته كمهندس وفيزيائي، وهو ما طبع تفكيره بصبغة الرياضيات التطبيقية، بالنسبة لآليه، الاقتصاد ليس مجرد نظريات أدبية، بل هو ديناميكا يجب أن تخضع لقوانين التوازن.

عندما بدأ دراسة النظم النقدية، لاحظ وجود خلل بنيوي لا يمكن للنماذج الرياضية التقليدية تبريره أخلاقياً أو اقتصادياً، رأى أن النظام المالي العالمي ليس إلا جبالاً من الرمال يقوم على التوسع النقدي الوهمي، وهنا بدأت معركته مع مفهوم الفائدة.

ثانياً: فلسفة آليه في محاربة الفائدة.. لماذا اعتبرها سرقة؟

لم يهاجم آليه الفائدة من منطلق ديني بحت، رغم تقارب أفكاره مع التوجهات الإسلامية لاحقاً، بل هاجمها من منطلق الكفاءة الاقتصادية والعدالة التوزيعية.

1- الفائدة كدخل دون مقابل: يرى آليه أن سعر الفائدة يمثل ريعاً يحصل عليه أصحاب رؤوس الأموال دون القيام بجهد إنتاجي حقيقي أو تحمل أخطار فعلية، وفي الكثير من كتب آليه بذل جهداً كبيراً لإثبات أن الفائدة تعيق التوزيع الأمثل للموارد، فبدلاً من توجيه الأموال نحو الاستثمار الإنتاجي (الذي يخلق وظائف وسلعاً)، يفضل أصحاب الأموال اكتنازها أو إقراضها لضمان عائد ثابت، مما يخنق النمو الحقيقي.

2- الفائدة وأسطورة خلق المال من العدم: هنا تكمن عبقرية آليه، لقد ربط بين الفائدة ونظام الاحتياطي الجزئي في هذا النظام، تقوم البنوك بإقراض أموال لا تملكها فعلياً، وتتقاضى عليها فوائد.

يقول آليه: إن خلق المال من قبل البنوك الخاصة هو من الناحية القانونية والعملية بمثابة تزوير للعملة، ولكنه تزوير مقنن، ويقصد آليه بالبنوك الخاصة أي بنك غير البنك المركزي، وبالنسبة له، الفائدة في ظل هذا النظام هي ضريبة غير عادلة يدفعها المجتمع للمصارف مقابل وهم السيولة.

ثالثاً: المقترح الثوري.. نحو سعر فائدة صفرية:

لم يكتفِ آليه بالنقد، بل قدم خارطة طريق لما وصفه بـالإصلاح النقدي الأكبر، تلخصت رؤيته في النقاط التالية:

1- إلغاء سعر الفائدة على القروض قصيرة الأجل: دعا آليه إلى ضرورة خفض سعر الفائدة تدريجياً حتى يصل إلى الصفر، وكان يؤمن بأن المجتمع المتقدم اقتصادياً هو الذي تتوافر فيه رؤوس الأموال بكثرة لدرجة أن قيمتها الإضافية (الفائدة) تتلاشى في هذه الحالة، حتى يصبح المحرك الوحيد للاستثمار الربح الناتج عن الابتكار والعمل وليس الربح الناتج عن مجرد امتلاك المال.

2- فرض ضريبة على السيولة (ضريبة آليه): لكي يمنع الناس من اكتناز الأموال في ظل غياب الفائدة، اقترح فرض ضريبة بسيطة على الأموال السائلة (تشبه إلى حد كبير مفهوم الزكاة في الإسلام)، الهدف إجبار المال على الدوران في الدورة الاقتصادية؛ فإذا كان المال سيفقد جزءاً من قيمته بالبقاء خاملاً، فسيضطر صاحبه لاستثماره في مشاريع إنتاجية؛ ما ينعش الاقتصاد.

3- فصل وظائف البنوك: طالب آليه بمنع البنوك التجارية من ممارسة الإقراض من الودائع الجارية، اقترح أن تكون الودائع أمانات بنسبة تغطية 100%، بينما يقتصر الإقراض على صناديق استثمارية متخصصة تجمع مدخرات الناس وتستثمرها في مشاريع حقيقية (مشاركة في الربح والخسارة)، وليس إقراضاً بفائدة ثابتة.

رابعاً: آليه والأزمات العالمية.. النبوءة التي لم يسمعها أحد:

في تسعينيات القرن الماضي، حذر آليه بشدة من الفقاعات المالية، فكان يرى أن تراكم الديون بفوائد مركبة سيؤدي حتماً إلى انهيار عالمي، عندما وقعت أزمة 2008م، تذكر العالم كلمات العجوز الفرنسي.

أكد آليه أن الفائدة المحرك الأساسي للمضاربة، فالمضاربون يقترضون أموالاً بفائدة منخفضة ليضخوها في أسواق العقارات أو الأسهم؛ ما يرفع الأسعار بشكل وهمي، وعندما يعجز المقترضون عن سداد الفوائد، ينفجر النظام بأكمله.

ومن أسوأ أخطار نظام الفائدة، أن يذهب المضارب لبنك فيقترض مائة مليون بفائدة 10%، ثم يودعها في بنك آخر بفائدة 15%؛ فيربح 5 ملايين في السنة الواحدة بلا أي عمل ودون أي إضافة لاقتصاد المجتمع؛ ما يؤدي حتماً إلى الأزمات الاقتصادية الطاحنة والمدمرة للاقتصاد العالمي، التي يشهدها العالم كل فترة من الزمن، ولن تنتهي هذه الأزمات إلا بأن تكون الفائدة صفراً في المائة.

خامساً: التقاطع مع الاقتصاد الإسلامي:

من المثير للاهتمام أن آليه، في سنواته الأخيرة، أبدى إعجاباً كبيراً بمبادئ الاقتصاد الإسلامي فيما يخص تحريم الربا، لم يكن إعجابه عاطفياً، بل كان يرى أن الإسلام قدم حلاً تقنياً للأزمة النقدية من خلال:

1- تحريم الفائدة (الربا): وهو ما يتفق مع دعوته للفائدة الصفرية.

2- الزكاة: التي تعمل كمحفز لعدم اكتناز المال.

3- المشاركة في الأخطار: بدلاً من ضمان العائد للمقرض وتحميل المقترض وحده تبعات الفشل.

كتب آليه في بعض مقالاته أن الاقتصاد العالمي لن يستقر إلا إذا عاد إلى نظام يربط بين خلق النقد وبين الإنتاج الحقيقي، وإلغاء الفائدة هو حجر الزاوية في هذا الاستقرار.

سادساً: التحديات والانتقادات.. لماذا رُفضت أفكاره؟

رغم حصوله على «نوبل»، ظلت أفكار آليه حول الفائدة والنظام النقدي منبوذة في الدوائر الرسمية وصندوق النقد الدولي، والسبب يعود لعدة عوامل:

1- قوة اللوبي المصرفي: إن إلغاء الفائدة يعني تجريد البنوك من أداة ربحها الكبرى، وهو ما واجه مقاومة شرسة.

2- التعقيد السياسي: يتطلب تطبيق أفكار آليه تغييراً جذرياً في القوانين النقدية الدولية، وهو أمر شبه مستحيل في ظل العولمة الحالية.

3- اتهامه بالمثالية: رأى بعض الاقتصاديين أن الوصول لسعر فائدة صفري قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التضخم، رغم أن آليه قدم حلولاً رياضية لهذه المعضلة.

سابعاً: إرث آليه.. هل كان على حق؟

اليوم، ونحن نعيش في عالم تعاني فيه دول كبرى من ديون سيادية تريليونية، وحيث اضطرت البنوك المركزية (مثل البنك المركزي الأوروبي والياباني) في سنوات سابقة لاستخدام سعر فائدة صفري لإنقاذ اقتصاداتها، يبدو أن آليه لم يكن حالماً، بل كان يقرأ المستقبل.

إن فكر آليه في محاربة الفائدة ليس مجرد دعوة تقشفية، بل هو صرخة لرد الاعتبار للعمل فوق رأس المال، ولقد أراد عالماً لا ينمو فيه المال بالانتظار، بل بالابتكار؛ عالم لا يُسحق فيه الفقير تحت وطأة الديون المركبة، بينما يزداد الغني ثراءً وهو جالس خلف مكتبه.

لقد رحل آليه عن عالمنا في عام 2010م، لكن فكره يظل حياً كبديل عقلاني للاضطرابات المالية، ولقد كانت رسالته للأجيال القادمة واضحة: الاقتصاد الذي يقوم على الفائدة هو اقتصاد هش، والعدالة الحقيقية تبدأ من إصلاح النقود.

سيبقى آليه المهندس الذي حاول إصلاح ماكينة العالم، وسيظل كتابه الاقتصاد كعلم مرجعاً لكل من يجرؤ على الحلم بنظام مالي أكثر إنسانية وأقل جشعاً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة