المشاعر في القرآن الكريم (7)

ميزان الحب في القرآن الكريم

د. مي سمير

24 سبتمبر 2026

34

ميزان الحب في القرآن الكريم

يمثل شعور الحب واحداً من أبرز وأشهر المشاعر التي يختبرها الإنسان، وهو من المشاعر التي يثار حولها كثير من الاهتمام والجدل، وقد أولى القرآن الكريم اهتماماً خاصاً بهذا الشعور في سياق رؤية قرآنية مميزة تناولت المشاعر الإنسانية بالتفهم والتوعية، لصناعة الصلابة النفسية التي تُعين المؤمن على إدارة مشاعره وفهمها والتعاطي معها بحذر واقتدار.

والحب في القرآن الكريم من المشاعر التي قد يكون لها أثر محمود أو مذموم، فهو يرتقي بالإنسان حين يتصل بمحبة الله والسعي في رضاه، وقد يستحيل تعلقًا مذمومًا حين يحجب قلبه عن الله وطاعته

وبناءً على هذين الوجهين المُختلفين لشعور الحب، جاء التناول القرآني لهذا الشعور بمنهجيتين رئيستين؛ الأولى: تحذر من الحب المذموم وتوعي المؤمن بأشكاله وعواقبه، والثانية: التعريف بحب الله وتوجيه المؤمن لمداخل وطرائق الفوز بحبه سبحانه ورضاه.

وفي هذا المقال، نتناول هذين الوجهين للرؤية القرآنية لشعور الحب في جزئين؛ الأول: يتناول التوعية القرآنية بالحب المذموم والتحذير من عواقبه وفهم المعايير الحاكمة لشعور الحب في القرآن الكريم، والثاني: يتتبع الدليل القرآني لمحبة الله كما ورد في مواضع متنوعة من كتاب الله تعالى.

ماهية الحب في القرآن الكريم

وردت مادة «حب» في القرآن الكريم في نحو 80 موضعاً بصيغ مُختلفة، جاء ما يقارب النصف منها في معرض الإخبار عما يحبه الله وما لا يحبه، إرشاداً للمؤمنين لطاعته سبحانه والتخلق بما يستجلب رضاه عن عباده واتقاء عذابه بالانتهاء عما يسخطه عز وجل.

وتكشف مواضع الحب في القرآن عن علاقته بعبادة الله وإرضائه من ناحية، وعن التحذير من التعلق بما يصرف عنه من ناحية أخرى، ليُنقي المؤمنون قلوبهم من الحب المذموم ويهيئونها لتكون متصلة بحب حقيقي ينالوا به خيري الدنيا والآخرة.

تعريف الحب

والحب في معناه العام لدى العلامة الطاهر بن عاشور: «مَيل النفس إلى الحَسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق أو موهوم».

ويقول الإمام الغزالي في كتاب «المحبة»: «الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً».

ويُعرف أبو حيان حب الله في «البحر المحيط» فيقول: «ومحبّة المؤمنين لله طاعتهم إياه واجتناب نواهيه وامتثال مأموراته».

ويقول القشيري عن المحبة: «ارتياح القلب لوجود المحبوب، وذهاب المُحِبِّ بالكلية في ذكر المحبوب، وخلوص المحب لمحبوبه بكل وجه».

الحب بين الجنسين في القرآن

لم يرد الحب في القرآن الكريم في سياق العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة إلا مرة واحدة فقط في معرض الإخبار عن الدافع الذي أدى بامرأة العزيز نحو السقوط الأخلاقي، فقال نسوة المدينة عن ذلك: (قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً) (يوسف: 30)، وفي هذا التعبير البليغ يلفت القرآن إلى خطورة هذا الحب ليس في ذاته ولكن في وصوله إلى شغاف قلبها؛ أي حجابه المحيط به، كما فسر بعض أهل التأويل هذه الكلمة.

وبذلك فجوهر المشكلة في هذه الرؤية القرآنية ليس الحب في ذاته، وإنما في تمكنه من قلب الإنسان إلى الحد الذي يسيطر فيه على سلوك الإنسان بعيداً عن ميزان العقل والشرع.

ألفاظ الحب ودلالاته في القرآن الكريم

يرتبط الإيمان ارتباطاً لصيقاً بالحب في الرؤية القرآنية، فالحب القائم على التخلي عن التعلق بالشهوات وإيثار حب الله وإرضائه على ما سواه هو جوهر الإيمان، فقال سبحانه: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: 92)، وفي موضع آخر قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

فالمؤمن يُقدم حب الله ورسوله على ما عداه من الملذات والشهوات، وهو ما أرشد إليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31).

وعن أبي رزين العقيلي قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما».

بين الحب والاستحباب

واستخدم الخطاب القرآني في غير موضع لفظ الاستحباب عوضاً عن الحب، وقد ورد الاستحباب دوماً بمعنى سلبي، إذ هو مُرتبط بإيثار الكفر على الإيمان وتفضيل الدنيا على الآخرة، فقال سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) (إبراهيم: 3)، وفي موضع آخر قال جل شأنه: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل: 107).

بين الحب والهوى

ومن ناحية أخرى أورد القرآن الكريم لفظ الهوى تعبيراً عن الحب في بعض المواضع، ويعرض ابن القيم في روضة المحبين مقارنةً بين الحب والهوى في الهدي القرآني فيقول: وأكثر ما يُستعمل «الهوى» في الحب المذموم، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات).

ويُقال: إنما سُمي هوى؛ لأنه يهوى بصاحبه، وقد يُستعمل في الحب الممدوح استعمالاً مُقيداً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

بين الحب والمودة

كذلك استخدم القرآن الكريم لفظ المودة في مناسبات مختلفة للتعبير عن الحب، وهي لم تقتصر على سياق الحب المذموم، بل وردت في كلا السياقين الإيجابي والسلبي، فقال سبحانه في موضع: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) (الممتحنة: 7)؛ وفيها تبشير أن يجعل الله بين المؤمنين وكفار قريش بعد فتح مكة مودة بدخول بعضهم في الإسلام.

وعرف ابن كثير المودة هاهنا بأنها: محبة بعد البغْضَة، ومودة بعد النَّفرة، وألفة بعد الفرقة، وفي موضع آخر قال سبحانه: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا) (العنكبوت: 25)؛ وتعني المودة هنا الحب والتآخي الزائف بين هؤلاء الكُفار تآلفاً وتعاوناً على الشرك بالله، وهي المودة التي تنقلب عليهم شحناء وبغضاء يوم القيامة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة