نحو جيل قرآني بالذكاء الاصطناعي
من منا لا يحلم
بتربية أبنائه وبناته في رحاب كتاب الله؟! ومن منا لا يتمنى تنشئة صغاره على مأدبة
القرآن؟! لكن هل يستطيع ذلك حقاً؟
لم تعد تنشئة
النشء على مأدبة القرآن أمراً سهلاً أو متاحاً، مقارنة بما كانت عليه الحال قبل
عقود، وقد توارت الكتاتيب والمدارس القرآنية، أمام تغول وسائل الاتصال والتواصل،
وتسلل سرطان مقاطع «الريلز» و«التيك توك» إلى عقل وقلب الجسد الصغير.
كتاب الله ليس
محل تنافس مع أحد، أو موضع صراع مع غيره من منتجات البشر، لكن التحديات الجسيمة
التي فرضت نفسها على واقعنا المعاصر، وضعت الدعاة والعلماء، والقائمين على المحاضن
التربوية والإيمانية، في مأزق كبير وصعب.
ربما تكون
المواجهة غير متكافئة، ليس لضعف، أو نقص، أو قصور في مضامين الوحي القرآني، فهذا
مما لا يرد على ذهن أي مسلم عاقل، لكن عدم التكافؤ، يعود إلى أساليب العرض
والتشويق، التي شهدت تطوراً غير مسبوق، خلال السنوات الأخيرة.
فنون دعوية
يقول الباحث
الأمريكي مايكل هارت، في كتابه المعروف «المائة الأوائل»: «لا يوجد في تاريخ
الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملاً دون تحوير سوى القرآن، بين أيدينا كتاب فريد في
أصالته وفي سلامته، لم يُشكّ في صحته كما أُنزل، وهذا الكتاب هو القرآن».
هذا الكتاب
العظيم يتطلب إتقان الدعوة إليه، وقد يكون من فن الدعوة إلى الله ابتكار وسائل
وأساليب جديدة تجتذب الصغار والكبار إلى مأدبة القرآن، وتقود النشء إلى نور الذكر
الحكيم، وتشعل في قلوبهم الشوق إلى الصراط المستقيم.
هناك بالفعل من
سارعوا إلى مسايرة العصر، وأحسنوا عرض بضاعة الإسلام، فابتكروا أساليب جديدة في
هذا المضمار، فكان المصحف الناطق إلكترونياً، والتطبيقات الذكية لحفظ القرآن،
والمنصات الإلكترونية المتخصصة في علوم القرآن وأحكام التلاوة والتجويد.
تطبيقات ذكية
تتيح تطبيقات
حديثة على الهواتف الذكية مزايا نوعية مثل التفسير الميسر، والترجمة إلى لغات
أجنبية، وتصحيح التلاوة مثل تطبيق «ترتيل»، الذي يساعد مستخدميه على ضبط القراءة
الصحيحة، وتحسين النطق والتجويد، ومنصة «مُدَّكِر» وهو برنامج تعليمي إلكتروني
لترسيخ معاني القرآن الكريم بخدمات تقنية متطورة.
الإبداع
التكنولوجي يتواصل في هذا المضمار، من خلال توفير تطبيقات ذكية تستخدم صوراً
توضيحية لمعاني الآيات، بما يساعد القارئ على استشعار كلام الله، مع إتاحة تصاميم
جذابة للأطفال، تحفزهم على حفظ القرآن الكريم، والتحلق حول مأدبته، في رحلة
إيمانية روحانية ممزوجة بالتكنولوجيا الحديثة.
ومن التطبيقات
الجديدة تقنية «الواقع المعزز» التي تتيح عرض الآيات بطريقة تفاعلية في بيئة
ثلاثية الأبعاد، حيث سيتمكن القارئ من استعراض صفحات المصحف في أي مكان، باستخدام
نظارات ذكية، مع إمكانية قلب الصفحات بحركة يد أو إشارة عين، أو الانتقال إلى
بيئات مستوحاة من آيات معينة، مثل وصف الجنة، أو مشاهد من قصص الأنبياء، من خلال
خلق بيئة قرآنية افتراضية تتيح معايشة تجربة روحانية متكاملة.
وفي غضون
السنوات القادمة، سيتاح وسائل تكنولوجية جديدة ومبتكرة، منها استخدام الأجهزة
المدمجة في البيئة، التي ستوفر إمكانية استعراض الآيات القرآنية تلقائياً على أسطح
الجدران في أوقات معينة أو عند الحاجة للتذكير، بشكل يجعل من القرآن الكريم مكوناً
رئيساً في تفاصيل الحياة اليومية، مع إتاحة الفرصة للقارئ لطرح الأسئلة، وطلب
إجابات عميقة، على أن يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات شاملة تجمع خلاصة كتب التفاسير
وعلوم الدين.
إدمان تكنولوجي
إن انشغال
الجميع خاصة الأطفال بالمقاطع القصيرة على «يوتيوب» و«تيك توك» وغيره، وصولاً إلى
تفشي حالة مستعصية من الإدمان، يتطلب منا ابتكار أدوات جديدة، ووسائل نوعية؛
لاجتذابهم إلى كتاب الله، من خلال تنظيم مسابقات عالمية بين الدول والشعوب، وبث
برامج إعلامية احترافية، منوط بها إحياء مشاعل القرآن في البيوت والقلوب والعقول.
ومن حتمية السبق
الدعوي، حثُّ الباحثين والعلماء والمخترعين العرب والمسلمين على ابتكار تطبيقات
ذكية، تحفظ كتابنا العزيز من التحريف على أيدي المنظمات الغربية المشبوهة، وتصون
وقاره من العبث التكنولوجي، الذي قد يستغل بالسلب للإخلال بحالة السكنية
والطمأنينة التي ينثرها كلام الله حول قرائه وسامعيه.
دعوتنا ليست
مطالبة بـ«ريموت كنترول» للتنقل بين صفحات القرآن، أو استعراض معانيه عبر شاشات
تعمل باللمس، أو تدبر آياته عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بقدر ما هي دعوة
لابتكار فنون دعوية جديدة، وإثارة اهتمام وشغف أبنائنا بأقدس كتاب على وجه الأرض.
إن دعاة المتاحف
والآثار يبتكرون كل يوم الجديد؛ لاجتذاب الناس لمشاهدة حجارة لا تنطق، ولا تسمع،
ولا تبصر، فما بالنا بكلام رب العالمين الذي تعهد الله بحفظه، فقال سبحانه وتعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).
ألسنا نحن
كمسلمين في حاجة إلى إحياء قلوبنا وأرواحنا بهذا الكتاب العظيم، الذي وصفه الله
تعالى بأنه مبارك في أربعة مواضع، فقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ
يَدَيْهِ) (الأنعام: 92)؛ وقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: 155)؛ وقوله: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ
لَهُ مُنكِرُونَ) (الأنبياء: 50)؛ وقوله: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (ص: 29).
اقرأ
أيضاً:
برنامج عملي
لحفظ القرآن الكريم