نحو فهم شرعي متوازن للصحة النفسية

همام الطوالبة

10 أغسطس 2026

133

نحو فهم شرعي متوازن للصحة النفسية

ليست المشكلة في أن يمرض الإنسان نفسياً، فذلك من سنن الابتلاء التي لا يسلم منها أحد، وإنما المشكلة حين يتحول المرض إلى معيار يُحاكَم به إيمان صاحبه، عندئذ لا يواجه المريض آلامه فحسب، بل يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن إيمانه أيضاً، وكأن معاناته دليل على تقصيره، لا ابتلاء قدّره الله عليه.

وهذا فهم لا يدل عليه الوحي، ولا يعرفه هدي الأنبياء عليهم السلام، ولا تؤيده حقائق الطب؛ وإنما نشأ من الخلط بين أمراض القلوب التي تعالجها التزكية، والاضطرابات النفسية التي تحتاج -مع الإيمان والدعاء- إلى التشخيص والعلاج.

ولعل منشأ هذا الفهم يعود إلى الخلط بين مجالين متمايزين في حياة الإنسان؛ التزكية والتداوي، فالتزكية تُعنى بإصلاح القلب وتقوية الإيمان وتهذيب السلوك، أما الاضطرابات النفسية فلها أسبابها العضوية والعصبية والوراثية والنفسية والاجتماعية، شأنها في ذلك شأن سائر الأمراض.

كما اختلط على بعض الناس معنى الابتلاء بمعنى العقوبة، فظنوا أن كل معاناة وألم دليل على تقصير ومعصية، مع أن القرآن والسُّنة يقرران أن الابتلاء سُنة ماضية تشمل الأنبياء والصالحين قبل غيرهم، وأن الابتلاء ليس ميزاناً يُقاس به رضا الله عن عباده.

الابتلاء والقرآن

وقد قرر القرآن الكريم أن الابتلاء جزء من سنن الحياة، فقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) (البقرة: 155)، فالخوف والحزن والضيق ليست أحكاماً على إيمان الإنسان، وإنما صور من صور الابتلاء التي تستدعي الصبر وحسن اللجوء إلى الله.

ولم يكن الأنبياء بمنأى عن هذه المشاعر؛ فقد حزن يعقوب عليه السلام حتى ابيضت عيناه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» (متفق عليه)، فالإيمان لا يُلغي الطبيعة البشرية، وإنما يمنح صاحبه القدرة على الثبات وحسن التعامل مع آلام الحياة.

ومن هنا، فإن إصابة الإنسان بالاكتئاب أو القلق أو الوسواس لا تعني ضعف إيمانه، كما أن إصابته بمرض في قلبه أو جسده لا تعني ذلك، فالمرض ابتلاء، والإيمان زادٌ يعين على مواجهته، لا ضمانة تمنع وقوعه، ولذلك لا يصح أن يُقاس صلاح الناس بسلامتهم من الأمراض، وإنما بما يظهر منهم من الصبر وحسن التوكل والأخذ بالأسباب المشروعة.

ولذلك، جاءت الشريعة بالأمر الصريح بالأخذ بالأسباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء» (رواه الأربعة)، وهذا التوجيه النبوي عام يشمل الأمراض النفسية كما يشمل الأمراض العضوية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص نوع المرض، فمراجعة الطبيب النفسي، والانتفاع بالعلاج الدوائي أو السلوكي، ليست منافاة للتوكل، بل هي من تمامه، إذ التوكل في الإسلام ليس ترك الأسباب، وإنما الاعتماد على الله مع بذل الأسباب المشروعة التي أذن الله بها.

حفظ النفس والعقل

ويؤكد هذا المعنى أن الشريعة جعلت حفظ النفس وحفظ العقل من أعظم مقاصدها، فلا يقتصر حفظهما على الوقاية من القتل أو المسكرات، بل يشمل كل ما يصون توازن الإنسان الجسدي والنفسي والعقلي، ومن ثم فإن علاج الاضطرابات النفسية، وتيسير الوصول إليه، وإزالة الوصمة الاجتماعية المرتبطة به؛ كلها أعمال تنسجم مع مقاصد الشريعة في رفع الضرر، وحفظ كرامة الإنسان، ورعاية مصالحه.

غير أن بعض الخطابات الدينية والاجتماعية ما تزال -بحسن نية أحياناً- تزيد معاناة المريض النفسي، حين تربط استمرار مرضه بضعف إيمانه ويقينه، أو حين تؤخره عن طلب العلاج بحجة الاكتفاء بالوعظ والرقية، ولا شك أن الإيمان والذكر والرقية من أعظم ما يثبت القلب ويعينه، لكنها لا تلغي مشروعية التداوي، كما أن الدعاء لا يغني عن مراجعة الطبيب في سائر الأمراض، ومن الظلم أن يُحمَّل المريض مسؤولية مرض لم يختره، أو يُلام على ابتلاء قدّره الله عليه.

وإذا كان المريض النفسي يواجه آلام المرض، فإنه يواجه كذلك حاجة عميقة إلى من يفهم معاناته، لا إلى من يُصدر الأحكام عليه، فهو يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يعظه، ويحتويه قبل أن يحاسبه، ويعينه على العلاج قبل أن يفسر له سبب مرضه، والكلمة الطيبة، والدعم الأسري، والاحتواء الاجتماعي، قد تكون في بعض الأحيان جزءاً من العلاج نفسه.

ومن هنا، فإن الرحمة بالمريض ليست خُلُقاً مستحباً فحسب، بل هي واجب شرعي ينسجم مع مقاصد الإسلام في حفظ النفس ورفع الحرج وجبر المنكسر.

المرض النفسي امتحانٌ لصحة الإنسان، وليس شهادة على حسن الإيمان، وعليه فليس من واجبنا أن نفتش عن ذنب نعلّق عليه معاناة مريضنا، بل أن نكون له عوناً في رحلة التعافي ورحمة في ساعة الابتلاء، فالإسلام لم يأتِ ليحاكم المبتلى بل ليواسيه، لم يجعل المرض تهمة، بل ابتلاء تُرجى معه الرحمة، يشرع له التداوي ويؤجره على صبره عليه، وكلما اجتمع نور الوحي ودقة العلم وسعة الرحمة؛ اقتربنا من الفهم الأحسن الذي أراده الله لعباده.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة