نسق البلاغة النبويَّة (2-2)
ولا يقذفن في روعك أنه وهو
أفصح العرب، لو قد تصنع في شيء من كلامه؛ وتكلف له، وتأتى لوجوه البلاغة المعجزة
فيه، من التركيب البياني، والاختراع اللغوي وما إليهما- لجاء منه بما عسى أن يطابق
القرآن في نظمه وإحكامه، وفي كل ما به صار القرآن معجزاً؛
تتوهم ذلك الذي يكون من جمع النفس القوية، وكدِّ الذهن الصحيح، والتوفر بأسباب
الفطرة والصنعة على عمل هذا أمره وشأنه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لو اتفق له كذلك
-على فرض أن يتفق- لخرج مخرج غيره من فصحاء العرب، قولاً واحداً؛ لأن ما كان على
حكم الغريزة لا ينزل على حكم الصنعة، وإنَّما نوادر الفصاحة والبيان من هذه
التراكيب الغريبة عمل لا تبلغ فيه الحيلة؛ ولا يؤتيه البحث والنظر وتعاطي هذه
الصناعة الفلسفية التي تنفذ شيئاً من شيء وتهيئ مادة من مادة، بل كان ذلك في حكماء
البلاغة إنما هو شعر القريحة البيانية، وهو ضربٌ من الإلهام، يقوى بقوة الاستعداد
له ويكثر بكثرة أسبابه في النفس فلا يتعاطاه أهله بالصنعة الكلامية ولو وقعوا في
ملءِ رؤوسهم منها، ولا يمكن أن تنفذ فيه قواعد التأليف البياني التي تصف البلاغة
وضروبها وأسرارهَا؛ بل هو يتفق لهم اتفاقاً على غير طريقة معروفة ولا وجه يسلكونه
إليه وقد يعسُرُ على أبلغ الناس في حين قد تيسر له بأسبابه، واتجه إليه بالرغبة،
وجَمع عليه النفس الحريصة، وحسبه منقاداً فإذا هو عنان لا يملك.
ولو أن هذا الضرب كان مما
يجدي فيه الاحتفال، وتبلغ منه الروية ويُحتالُ عليه بالنظر والتثبت، كسائر ضروب
الكلام - لقد كان البلغاء ابتذلوه ونالوا منه وصاروا فيه إلى الغاية، مع أنه غضَةُ
الريق التي لا يُعتصر منها، وإنَّما يبعثها قدر، ويسيغها قدَر، ومع أن الحرف
الواحد منه في باب الاستعارة أو المجاز أو الكناية أو نحوها إذا اتفق لأحدهم كان
أميرَ كلامه، والواسطة في نظامه، والدليل على إلهامه.
فهذه واحدة، والثانية أنه
-صلى الله عليه وسلم- لو اتفق له كذلك -على فرض أن يتفق- لما استطاع أن يتجرد من
نفسه الكلامية، التي من شأنها أن تُطمع غيره في كلامه، وتجعله أبعد الأشياء عن
مظنة الإعجاز بجانب الكلام، ورأى ألفاظه تتنفس تنفساً آدمياً، بجانب تلك الألفاظ
التي تهب هبوباً كأن لها جواً فوق كون من اللغة.
وليس الأمر في هذه المعارضة
-كما علمت- إلى مقدار الهمة في بعدها وقصَرها، ولا مبلغ الفطرة في شدتها
واضطرابها، ولا حالة البليغ في احتفاله ومهاونته، بل هو أمر فوق ذلك أجمع، وليست
هذه الهمة وهذه الفطرة وهذه الحالة مما توجد في نفس الإنسان غير صفاتها الإنسانية
بالغة ما بلغت ونازلة حيث تنزل، فإن كل أمر لا يوَطأ له بأسبابه لا تحدثه غيرُ
أسبابه، وما عرف الناس يوماً من الدهر أن قوة الخلق ظهرت في مخلوق، ولا أن إنساناً
أخرج من نفسه غير ما في نفسه.
****
ومن خواص القرآن العجيبة، أن
كل فصيح يحتفل في معارضته لا يزيده الاحتفال إلا نقصاً من طبيعته، وذَهاباً عن
قصده وسنتِه، فكلما اندفع إلى ذلك ارتد بمقدار ما يندفع، وكلما كد طبعهُ رأى من
تبلده على حساب ما يَكده فإذا ترك ذلك حيناً فعفا من تعبه وتراجع إليه
الطبع ثم عاد، كانت الثانية
أشد عليه من الأولى؛ لأنه كلما طمع أسرع به ذلك أن يتحقق اليأس وهكذا حتى يكون هو
أولَ من يتهم نفسه بالعجز، ويرمي طبعَه بالاختيال، ويصفُ كلامه بالنقص، فإنه إنما
يطمح في تلك المعارضة إلى شيء من غير طبعه، فلا يرضى لها بشيء من طبعه ومتى كان
ذلك منه، لم يترك نفسه وشأنها، بل يمنعها مما تُنازعُ العملَ عليه، ويردها عن
وجهها ويشق عليها في النزوع، ويُكدرُ بها تكديراً يُفسد عليها كل ما هي فيه من ذلك
العمل، فليست تجد منه أبداً إلا طريقة معروفة وقوة محدودة وإلا ما صُنِعَت عليه
ونشأت فيه.
فإذا طال ذلك به وبها، أمات
حركتها ونشاطها، وترامى بها إلى العجز وضربها باليأس والقنوط، فذهب منه ما كان في
طوقه وقوته من البلاغة في سبيل ما ليس في طوقه وقوته، وأكدَى طبعه فيما كان ينجحُ
فيه، وتبدل من شأنه الأول شأنا ثانيا كيفما أداره رآه سواء غير مختلف. وذلك كله من غير أن يكون
هناك إلا قوة القرآن المعجزة، وقوة نفسه العاجزة، وهذا معنى قد وقع تفصيله في
موضعه ومر في بابه، فلا حاجة بنا إلى الزيادة منه بأكثر مما سلف.
****
وضربٌ آخر من الأوضاع
التركيبية في بلاغة النبي -صلى الله عليه وسلم- غيرَ ما مرت مُثلُهُ من ذلك النحو
الذي يكون مُجتمعاً بنفسه منفرداً في الكلم القليلة، وهذا الضرب يتفق في بعض
الكلام المبسوط، فتقوم اللمحَة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالةُ، وتكفي
من مرادفة المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض، فيكون السكوت عليها كلاماً
طويلاً، والوقوف عندها شأواً بعيداً وهو القليل في كلام البلغاء إلى حد الندرة
التي لا يُبنى عليها حكم، ولكنه كثير رائع في البلاغة النبوية، لما عرفْتَ من
أسباب قلة كلامه -صلى الله عليه وسلم-، فإن هذه القلة إن لم تنطوِ على مثل هذا
الضرب الغريب، لا تفي بالكثرة من غيره، ولا تُعَد في باب التمكين والاستطاعة، ولا
يكون فضلها في الكلام فضلاً، ولا يعرفُ أمرها في البلاغة أمراً.
فمن ذلك حديث الحدَيبية، حين
جاءه بُدَيل بن ورقاء يتهدده ويحذره فقال له، إني تركت كعبَ بن لؤَي بن عامر بن
لؤي، معهم العوذ المطافيل وهمُ مُقاتلوكَ وصادوك عن البيت.
فقال له النبي -صلى الله
عليه وسلم-: "إن قريشاً قد نهكتْهم الحرب فإن شاءوا ماددناهم مُدة ويدَعوا ما بيني
وبين الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخلَ فيه الناس.. وإلا كانوا قد
جفوا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفَتي هذه،
وليُتفِذَن الله أمره".
فتأمل
قوله عليه الصلاة والسلام"حتى تنفرد سالفتي هذه"، وكيف تصور معنى الانفراد الذي لا يستوحش منه لأن الثقة فيه بالله،
والقلة التي لا يخاف منها لأن الكثرة فيها من الله، والاستماتة التي لا تردد معها
لأن الأمر فيها إلى الله، وانظر كيف يصف العزيمة الحذاء، وكيف تقرع بالوعيد
والتهديد، وكيف تغني في جواب القوم ما لا تغنيه الرسائل الطوال، حتى لتقطع الشهادة
عليها قطعاً بما في نية صاحب الجواب من عزم أمره ووثاقة عقده، فكأنها صورة واضحة
لما استقر في نفسه من كل ما عسى أن يَرجعه جواباً، وما عسى أن يتهيأ له في باب
الحزم، وإنَّها لكلمة بمعركة!
ومن هذا الباب قوله -صلى
الله عليه وسلم-: "من همّ بحسنةٍ ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عمِلها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه
سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك". فتأمل هذا التذييل العجيب، فإنك لا
تقضي منه عجباً، ولَن يعجز إنسان أن يهم بالخير، يفعله أو يفعله، وأن ينزع إلى
الشر فيمسك عنه، فإن عجز حتى عن هذا فما فيه آدمية، ورحمة الله تنال الإنسان
بأسباب من خيره، ومن شره إذا كان فيه الضمير الإنساني، وهذا في الغاية كما ترى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً