هدنة بلا تعافٍ اقتصادي.. أسواق غزة رهينة القيود «الإسرائيلية»

خالد أبو عامر

15 ديسمبر 2025

128

مع اقتراب دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة شهره الثالث، لا تزال الأوضاع الاقتصادية والإنسانية تراوح مكانها، في ظل تلكؤ ومماطلة «إسرائيلية» واضحة في مدى الالتزام بالبروتوكول الإنساني المنصوص عليه ضمن اتفاق التهدئة الموقع مع حركة «حماس»، بوساطة كل من مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية، الذي نص في حينه على السماح بمرور 600 شاحنة مساعدات وبضائع يومياً إلى القطاع.

وتظهر بيانات صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن نسبة الالتزام «الإسرائيلي» لم تتجاوز 25% مما تم التوافق عليه، إذ تسمح سلطات الاحتلال بمرور نحو 170 شاحنة يوميا فقط، وقد انعكس هذا التقييد بشكل مباشر على حالة النشاط الاقتصادي والتجاري، حيث لم تشهد أسواق القطاع أي تحسن ملموس مقارنة بما كانت عليه خلال أشهر الحرب، وبقيت حركة البيع والشراء في مستوياتها الدنيا.

إغراق أسواق غزة بالكماليات.. سياسة الترف المضلل

وفي مقابل هذا التقييد، تبرز سياسة «إسرائيلية» مثيرة للريبة قائمة على إغراق أسواق غزة بسلع كمالية ورفاهية، تشمل أنواعاً من الشوكولاتة الفاخرة والمكسرات والسكريات عالية السعرات الحرارية، إلى جانب أحدث إصدارات الهواتف الذكية من شركتي «Apple» و«Samsung»، في ظل غياب شبه كامل للسلع الأساسية، مثل الطحين والمواد الغذائية الضرورية، ومواد النظافة الشخصية، والوقود، وغاز الطهي، فضلاً عن مستلزمات الإعمار، وعلى رأسها الأسمنت والمواد الصحية كالمراحيض وصنابير المياه.

ويمكن فهم هذه السياسة «الإسرائيلية» ضمن عدة أبعاد، أبرزها السعي إلى تصدير صورة مضللة للرأي العام الدولي، عبر إبراز مظاهر رفاهية محدودة في القطاع، في محاولة للتغطية على الواقع الإنساني الكارثي الذي خلفته حرب الإبادة، وصرف الأنظار عن حجم الدمار والمعاناة اليومية التي يعيشها السكان.

كما تهدف سياسة إغراق الأسواق بالسلع الكمالية إلى استنزاف ما تبقى من السيولة النقدية لدى المواطنين، من خلال دفعهم إلى إنفاقها على سلع غير أساسية، بما يضمن عودة جزء كبير من هذه الأموال إلى اقتصاد الاحتلال عبر مبالغ «التنسيقات» المفروضة على إدخال البضائع.

التعويم القسري لأسواق غزة

وتعتمد «إسرائيل» في هذا السياق نهجاً اقتصادياً يعرف بـ«التعويم القسري للسوق»، وهو نهج يُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة نتيجة عوامل مفروضة خارجياً لا ترتبط بقوانين العرض والطلب، بل بالقيود المشددة على الاستيراد وحصره في دائرة ضيقة من التجار.

ولتعزيز هذه السياسة، ما تزال سلطات الاحتلال تفرض قيوداً صارمة على الاستيراد تعرف بـ«تنسيقات التجار»، حيث يجبر التاجر على دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل السماح له بإدخال أصناف محددة من البضائع؛ ما يرفع تكلفتها النهائية ويحمّل عبئها للمستهلك الذي يضطر، تحت ضغط الحاجة، إلى دفع أسعار مضاعفة.

ولا يوجد سقف محدد لقيمة هذه التنسيقات، إذ تختلف باختلاف نوع السلعة، إلا أن الأرقام تعكس حجم الاستغلال؛ إذ تصل تكلفة تنسيق شاحنة واحدة من الأحذية والحقائب الجلدية إلى نحو 300 ألف شيكل (92 ألف دولار)، فيما تبلغ تكلفة تنسيق شاحنات اللحوم والدواجن المجمدة قرابة 500 ألف شيكل (150 ألف دولار)، في حين يتجاوز سعر تنسيق شحنة الهواتف والحواسيب 600 ألف شيكل (175 ألف دولار).

أزمة معيشية حادة

في المقابل، يواجه مواطنو قطاع غزة تحديات معيشية قاسية في ظل هذا الارتفاع الحاد في الأسعار، حيث يشير تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة يعد من الأدنى عالمياً، إذ تراجع إلى نحو 161 دولاراً، بعد أن كان يبلغ قرابة 6 آلاف دولار في عام 2022م.

ويواكب هذا التدهور الاقتصادي تسجيل معدل تضخم وصل إلى 238%، إلى جانب ارتفاع معدل البطالة إلى 83%، واقتراب نسبة الفقر من 100%، في وقت يعتمد فيه نحو 95% من السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وهي من أعلى النسب المسجلة عالمياً.

وفي ظل هذه الظروف الكارثية، تعيش الأسر الفلسطينية في قطاع غزة أوضاعاً بالغة التعقيد، تجمع بين الانهيار الاقتصادي الحاد وتراجع المساعدات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، مع استمرار القيود المفروضة على إدخال البضائع وارتفاع أسعارها، لتصبح القدرة الشرائية للمواطنين شبه معدومة.

ويظهر هذا الانهيار بوضوح في أسواق القطاع، حيث تقلصت الخيارات الغذائية بشكل كبير، وتراجع تنوع السلع بصورة حادة، فيما باتت حتى السلع الأساسية خارج متناول غالبية السكان، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية المتواصلة في غزة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة