هستيريا كأس العالم.. لماذا يفزع الغرب من انتصارات المسلمين؟!

أحمد جمال

12 يوليو 2026

80

هستيريا كأس العالم.. لماذا يفزع الغرب من انتصارات المسلمين؟!

لم يعد المستطيل الأخضر في الغرب مساحة للتنافس الرياضي، بل استحال مرآة عاكسة لعمق الكراهية الدفينة وجمر «الإسلاموفوبيا» الكامن تحت رماد الشعارات.

فبمجرد أن تدفقت الأقلية المغربية والمسلمة إلى شوارع أمستردام ولاهاي محتفلة بانتصارات كروية تاريخية، مثل انتصار منتخب المغرب على هولندا في دور الـ32، بمونديال 2026م المقام في أمريكا وكندا والمكسيك، حتى انفجرت الهستيريا السياسية والأمنية في الغرب.

ولم يقف الأمر عند حدود الاشتباكات، بل تعالت أصوات فاشية صريحة تنفخ في نيران التطرف والعنصرية؛ حيث حثت البرلمانية الهولندية مونا كايزر الشرطة علناً على استخدام الرصاص الحي ضد مظاهرات الأقليات بزعم انعدام ولائهم، في حين تزعم خيرت فيلدرز، رئيس حزب الحرية اليميني، حملة تحريضية شرسة للمطالبة بسحب الجنسية والترحيل الجماعي للمهاجرين العرب والمسلمين، مواكبًا مظاهرات متطرفة رفعت شعار «هولندا لأهلها.. وعودوا لوطنكم».

هذا الانفجار العنصري الممنهج عقب منجز رياضي كبير بحجم كأس العالم، يعكس مؤشراً خطيراً على حاضر ومستقبل الأقليات المسلمة في الغرب، ويكشف كيف يمكن لعقدة التفوق الحضاري أن تطفو على السطح فور انكسارها كروياً.

وهنا يمكننا التأكيد على أن التحريض النيابي والشعبي ليس مجرد رد فعل عابر على شغب ملاعب، بل إستراتيجية لـ«أسلمة» الأزمات الاجتماعية، واستغلال الفرح العربي كفزاعة سياسية لتغذية المخاوف الشعبوية وصناعة وعي جمعي يرى في المسلم تهديداً وجودياً حتى وهو يداعب كرة من الجلد.

الهوية المأزومة في الغرب

في تصريحات لـ«المجتمع»، فكك د. مرزوق أولاد عبدالله، الرئيس السابق لجامعة أمستردام الحرة في هولندا، أبعاد هذه الأزمة، مؤكداً أن الأقليات المسلمة بذلت جهوداً مضنية في الاندماج الإيجابي والتعايش السلمي مع الحفاظ على هويتها الأصيلة عبر المؤسسات التعليمية والمساجد.

غير أنه استدرك متأسفاً: إلا أننا نواجه اليوم تنامياً شرساً وممنهجاً لظاهرة «الإسلاموفوبيا»، مدفوعاً بصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى سدة الحكم واستغلالها لخطابات الكراهية.

وأضاف مرزوق أن هذا التيار المتطرف يعمد إلى توظيف الفتاوى الشاذة والخطابات العنصرية لإشعال الشارع، مستشهداً بقيام جماعة إد فيرزيت الفاشية بالاعتداء على مسجد أمير سلطان بأمستردام وتعليق مجسم لإنسان مقطوع الرأس على بابه مصحوباً بعبارات إقصائية مثل: «هولندا ملكنا.. لا نريد مساجد».

وعن تجربته العملية، كشف الرئيس السابق لجامعة أمستردام عن تأسيس تحالف فكري يجمع مسلمين ومسيحيين ويهوداً وملحدين لحماية المجتمع من الاضطرابات الفكرية ومحاصرة الكراهية المؤسسية ببدائل عملية.

الجذور المسمومة لظاهرة «الإسلاموفوبيا»

هذه الهستيريا الغربية ضد الهوية الإسلامية ليست وليدة اللحظة، بل تستند إلى إرث تاريخي ممتد من التشويه المتعمد؛ حيث تشير الدراسات التوثيقية إلى أن «الإسلاموفوبيا» متجذرة في الوعي الأوروبي منذ العصور الوسطى، مروراً بأدبيات دانتي وصور الرسامين الاستشراقية في القرن الـ19 التي حصرت المسلم في قالب الوحشية والشهوانية الفوضوية، وصولاً إلى الآلة الإعلامية الحديثة التي تصر على دمجه في صورة الإرهابي الملتحي المتعصب.

وفي سياق التضييق التشريعي، ترجمت هذه الكراهية إلى ترسانة قوانين خانقة بدأت من عام 2025م؛ إذ فرض الميثاق الأوروبي تشريعات قاسية تقضي بإلغاء الإقامة الدائمة للاجئين واستبدال بها بطاقات مؤقتة لمدة 3 سنوات فقط خاضعة للمراجعة، فضلاً عن رفع قيد العيش المشترك لمنح الجنسية عبر الزواج من 3 إلى 5 سنوات، وتشديد اختبارات الاندماج اللغوي، والمطالبة بإلزام المهاجرين بالتخلي عن جنسياتهم الأصلية.

وتتغذى هذه البيئة الطاردة على خلفية مناهج تعليمية مضللة؛ حيث كشفت دراسة ألمانية شارك فيها 34 عالماً وفحصت 41 ألف صفحة من المناهج المدرسية على مدار 10 سنوات، عن تشويه بنيوي موروث من الاستشراق التقليدي.

هذا التشويه أنتج واقعاً إحصائياً مرعباً، إذ يؤكد استطلاع رأي حديث في النمسا أن 54% من المواطنين يرون في الإسلام خطراً على نمط حياتهم، بينما يعتقد 71% أنه يتعارض مع الديمقراطية والحرية، في تعمية كاملة عن حقيقة أن نصف مسلمي الاتحاد الأوروبي يعانون أصلاً من التمييز اليومي، وفق تقارير وكالة الحقوق الأساسية.

النماذج المسلمة والإعلام الغربي

تتكثف المفارقة الصادمة حين نرى أن هذه الماكينة الإقصائية لا تفرق بين مشغب في الشارع، وقامات رفيعة أثرت الحياة الأوروبية؛ فلم يشفع للمغاربة الذين يمثلون ثاني أكبر جالية بأكثر من نصف مليون نسمة؛ أي نحو 3% من سكان هولندا، أن منهم أحمد أبو طالب الذي اختير كأفضل رئيس بلدية في العالم عام 2021م لإدارته مدينة روتردام، ولا خديجة عريب التي ترأست البرلمان الهولندي كأول امرأة مسلمة في هذا المنصب السيادي التاريخي.

حتى الفضاء الرياضي لم يسلم من هذه الازدواجية؛ فالنجوم الذين ولدوا ونشؤوا في هولندا مثل حكيم زياش، وسفيان أمرابط، ونصير مزراوي، يتحولون في نظر الإعلام الغربي من أيقونات اندماج إلى خونة بمجرد اختيارهم تمثيل منتخباتهم الأصلية، بينما يحتفى بمن اختار القميص البرتقالي مثل إبراهيم أفيلاي، وخالد بولهروز، في اختزال فج للمواطنة في حدود التبعية الثقافية الكاملة.

القوة الناعمة و«منتخب الساجدين»

رغم القوانين المكبلة والحملات الشرسة التي شنتها منظمات صهيونية وغربية لمعاقبة ما وصفوه بـ«منتخب الساجدين» بتهمة ترويج طقوس دينية في الملاعب، فإن النتيجة جاءت عكسية تماماً؛ إذ تحول المستطيل الأخضر إلى نافذة جذب روحي غير متوقعة تؤجج الفضول نحو الإسلام.

ولم يكن إعلان المهاجم الأسترالي تيتي ينجي، والمدافع الفيردي ستيفن موريرا اعتناقهما الإسلام مؤخراً، إلا دليلاً على أن القوة الناعمة للقيم الإسلامية المتجسدة في سلوك اللاعبين تملك قدرة على النفاذ وبناء الجسور، تفوق قدرة آلات «البروباجندا» الغربية على الهدم، ليظل النصر الرياضي العربي والإسلامي، رغماً عن أنف «الإسلاموفوبيا»، فتحاً فكرياً وثقافياً يفرض حقيقته على مجتمعات تخاف من النور.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة