هشاشة العظام الحضارية.. ومتلازمة «الرويبضة»

استكمالاً لقضية انهيار المناعة المجتمعية، ودورة الاستبدال الحضاري، وكيفية تجدد المناعة، واستعادة الجسد الحضاري لعافيته، هناك عدة قوانين حاكمة لذلك، هي:

1- قانون الجسد.. «ذكاء الأولويات» وإعجاز الجبر:

يعمل الجسد البشري بأمر ربه وفق نظام اقتصادي صارم لا يعرف المجاملة، يُمكن تسميته بـ«فقه الأولويات الفطري»، ويتجلى إعجاز الخلق في أدق صوره عند اختلال التوازن أو وقوع الكسر؛ ففي تلك اللحظة تعلن غرفة عمليات الجسد حالة الطوارئ، لتبدأ فوراً عملية إعادة جدولة الموارد الحيوية؛ حيث تتدفق تروية دموية مكثفة ويُستنفر الكالسيوم نحو موضع الكسر، لا لترميم القشرة فحسب، بل لإحداث عملية بناء عميق (Callus) تجعل العظم بعد التئامه أصلب وأمتن مما كان عليه قبل الانكسار.

وقد أدركت العرب بفطرتها البلاغية هذا السر، فوصفوا العظم شديد القوة بأنه كأنه كُسر ثم جُبر؛ لما عاينوه من عبقرية الجسد في حشد طاقاته للبناء بحكمة ربانية بالغة، وهي تجلٍّ لقوله تعالى في حكاية قصة موسى مع فرعون: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى {49} قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه)؛ أي خلقه ثم هداه لغايته الوجودية ولما فيه صلاحه في كافة أحواله، ففي ذروة الخطر لا يهدر الجسد طاقته في إطالة الأظافر أو صقيل الشعر وعظم الساق مهيض؛ ذلك أن الفطرة ببرمجتها وهدايتها الربانية تدرك أن حفظ الأركان التي يقوم بها الجسد ويستقيم آكد وأولى من الانشغال بالزينة والتحسين.

2- التشخيص.. الرويبضة وانقلاب الدورة الدموية:

ولكن، حين ننتقل من إعجاز الجسد الفيزيائي إلى الاجتماع الإنساني، نجد صورة مغايرة تماماً تعكس خللاً بنيوياً في إدارة الموارد والقيم؛ فعلى النقيض من هذا النظام المتقن، يصاب الجسد الحضاري بمرض اختلال الأولويات حين تختل مناعته القيمية، فبدلاً من تدفق دماء المال والاهتمام نحو عظام الأمة (العلماء، الباحثين، المنتجين)، يتم تحويل التدفق بغزارة نحو التوافه، حتى غدا متابعو التوافه أضعاف متابعي أهل الثقافة.

هنا يظهر الورم الذي شخّصه النبي صلى الله عليه وسلم بـ«الرويبضة»؛ وهو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة، لقد حذر مالك بن نبي من أن تقديس الأشخاص مع إهمال أطروحاتهم الفكرية مظهر من مظاهر التردي الحضاري، فإذا كان الانبهار بالقدوات يُعد عائقاً أمام تجرد الفكرة وتطورها، فإن الانبهار بـ«الرويبضة» يمثل إعلان وفاة للمعيار القيمي للأمة.

إن الانتقال من مرحلة الأشخاص الملهمين إلى مرحلة المهرجين المؤثرين انقلاب في قانون الاستحقاق، حيث لم يعد الشخص يُعرف بما يحمل من فكر، بل بما يثيره من ضجيج.

3- معيار الاستحقاق.. من القدوة إلى الأداة الاستهلاكية:

إن هذا التشخيص يكشف عن خلل في الحوكمة الرشيدة التي تبني اتجاهات الإنسان وتمكنه من وضع مؤشرات لصحة المسار أو انحرافه، ففي ظل غياب هذه الحوكمة، حدث تحول مرعب في مفهوم المؤثر؛ إذ لم يعد القدوة الإنسان الذي يحمل مشروعاً أو فكراً ينهض بالمجتمع، بل تحول إلى أداة استهلاكية يُقاس نجاحها بمقدار الضجيج وعدد المشاهدات.

لقد جردت السيولة الرقمية المؤثر من أبعاده الفكرية ليصبح مجرد سلعة تُعرض في سوق الإلهاء، حيث يتم تعظيم التوافه والتعلق بها كبديل عن الأفكار الكبرى، هذا الانحراف جعل من المهرج مرجعية، ليس لقيمة ما يقدمه، بل لسهولة استهلاكه وتداوله؛ ما أدى إلى تآكل عظام المجتمع، ويحسم القرآن هذا المشهد بقانون الخلود: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

4- بروتوكول العلاج.. هندسة توجيه الموارد:

لنعالج هذه الهشاشة ونعيد الكالسيوم المعنوي إلى مكانه، لا بد من خطوات عملية:

أولاً: إعادة بناء الوعي الجمعي: تربية المجتمع على التمييز بين الغث والسمين، وإدراك أن الإنفاق على العلم استثمار بقاء.

ثانياً: الحوكمة التشريعية والمسؤولية المجتمعية: العمل على سن قوانين ذكية ومنظومة تشريعية تحفز رأس المال على الاستثمار في أوعية البر والإحسان ذات الأثر المستدام، ويتم ذلك عبر منح إعفاءات ضريبية وحوافز تقديرية للشركات التي تدعم البحث العلمي، أو تساهم في الأوقاف المخصصة للصناديق الصحية والتعليمية، أو ترعى الإنتاج الفني الهادف.

إن هذا التحول يحول دعم النافع من مجرد تبرع عابر إلى إستراتيجية مؤسسية ملزمة تساهم في جبر انكسارات الأمة الحضارية

ثالثاً: الاستثمار في القدوة البديلة عبر التمويل الجماعي: توظيف التقنيات المالية الحديثة لدعم مشاريع البر والإحسان التي تصنع الرموز الهادفة، وتوجيه التروية الإعلامية نحو المبدعين ليكونوا هم النجوم الحقيقيين، ومن أمثلة ذلك: دعم إنتاج أفلام كرتونية إبداعية تخاطب الطفل بقيم فاضلة، ودعم الفنانين الذين يمدحون الفضيلة والعفة وحب الوطن.

رابعاً: مجلس حكماء التخطيط: تشكيل هيئة عليا من الخلايا القائدة لرسم خريطة مواضع الكسر وتوجيه التمويل إليها بدقة.

إن استعادة الجسد الحضاري لعافيته لا تتم بمسكنات الترفيه المفرط، بل بجبر الانكسارات القيمية عبر العودة لسيادة العلم والعمل الرشيد، والشفاء يبدأ بقرار صارم؛ أن يسكت الرويبضة، وتتكلم الإنجازات التي تمكث في الأرض.



اقرأ أيضاً:

انهيار المناعة المجتمعية

«الشوارد الحرة».. طاقة الشباب بين البناء الدستوري والانفجار العشوائي

دورة الاستبدال الحضاري.. الرسالة والمهلة وقانون المراجعة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة