هل الحجامة تفطر الصائم؟

هل الحجامة تفطر الصائم؟

الحجامة هي أخذ الدم من الجسم بطريق المص.. وكان العرب يتداوون بها، فقد ذهب إلى التفطير بها أحمد وإسحاق وبعض فقهاء الحديث، وهو مروي عن بعض الصحابة والتابعين. وقد قالوا: يفطر الحاجم والمحجوم. وحجتهم حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعاً: «أفطر الحاجم والمحجوم»(1)، وحديث شداد بن أوس رضي الله عنه، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»(2)، وروي مثل ذلك رافع بن خديج وأبو هريرة وأبو موسى رضي الله عنهم(3).

وجمهور الفقهاء على أن الحجامة لا تفطر، لا الحاجم ولا المحجوم. وحجتهم حديث ‌ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌احْتَجَمَ ‌وَهُوَ ‌مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(4)، وسئل ‌أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا، ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌أَجْلِ ‌الضَّعْفِ»(5)، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة (مواصلة الصيام)، ولم ينه عنهما إلا إبقاءً على أصحابه(6)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ‌الْقُبْلَةِ ‌لِلصَّائِمِ، ‌وَالْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ»(7).

وعن أنس رضي الله عنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب –رضي الله عنه- احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم(8).

قال البيهقي: وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والحسن بن علي، وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم(9).

والظاهر من هذه النقول أن حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» إن أخذ بظاهره، قد نسخ، بدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما في احتجامه صلى الله عليه وسلم، وهو متأخر، لأنه كان في حجة الوداع، وأحاديث الترخيص في الحجامة تدل على أنها متأخرة، كما في حديث أنس وغيره، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد المنع.

كما أن أحاديث الترخيص في الحجامة للصائم أصح وأقوى، وينصرها القياس، كما قال الإمام الشافعي فوجب تقديمها. وقد تأولوا حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بأن معناه: تعرضا للفطر. أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. قال الشافعي: والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم رضي الله عنهم: ألا يفطر أحد بالحجامة(10).

وعلى هذا يعرف حكم أخذ الدم من الجسم في الصيام، فعلى رأي الجمهور لا يفطر، ولكن قد يكره من أجل الضعف، أي إذا كان يضعف المأخوذ منه. وعلى رأي الإمام أحمد: إذا قيس على الحجامة يفطر، وإذا وقف عند النص لم يفطر.


اقرأ أيضا

مبطلات الصيام

أثر رمضان في السلوك

الهوامش
  • 1 قال النووي: رواه أبو داود وابن ماجه بإسنادين صحيحين وإسناد أبي داود على شرط مسلم (المجموع، 6/ 349- 350).
  • 2 رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.
  • 3 فتح الباري (5/ 79).
  • 4 صحيح البخاري (3/ 33).
  • 5 المرجع السابق.
  • 6 قال النووي: رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. ينظر: المجموع (6/ 351).
  • 7 صحيح ابن خزيمة (3/ 230). ورواه الدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات، ورواه من طريق آخر، وقال: كلهم ثقات. ينظر: المجموع (6/ 351).
  • 8 رواه الدارقطني وقال رواته كلهم ثقات قال ولا أعلم له علة. ينظر: المجموع شرح المهذب (6/ 351).
  • 9 المرجع السابق.
  • 10 فتح الباري: ابن حجر (5/ 79- 80).
  • 11 المصدر: من كتاب «فقه الصيام»، ص 88- 89.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة