«اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي»: هل الشكوى لله تنافي الصبر الجميل؟

«اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي»: هل الشكوى لله تنافي الصبر الجميل؟

روى الطبراني عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «‌اللهُمَّ ‌إِلَيْكَ ‌أَشْكُو ‌ضَعْفَ ‌قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانًا عَلَيَّ، فَلَا أُبَالِي، إِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمَرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».

إنه دعاء المنكسرين بين يدي رب العالمين، فحين تخذل الأسباب، وتضيق الأرض بما رحبت، لا يجد المؤمن ملجأً أصدق ولا بابًا أوسع من باب الدعاء، ومن أبلغ ما ورثته الأمة في مدرسة الدعاء النبوي، ذلك الدعاء العميق الذي خرج من قلب النبي صلى الله عليه وسلم في أشد ساعات الألم.

صحة حديث (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي)

رواه الطبراني في «المعجم الكبير»(1)، والسيوطي في «الجامع الصغير»(2)، وذكره ابن هشام وغيره في السيرة النبوية(3)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات(4)، وقال الألباني: هذا إسناد ضعيف رجاله ثقات(5).

من خلال ما سبق، يتبين أن الحديث ضعيف، لكن العلماء يتسامحون في روايته، لكونه غير شديد الضعف، ولا يبنى عليه حكم شرعي، كما أن كثيراً من أهل العلم تناقلوه، واستشهدوا بما فيه من معانٍ وتوجيهات، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في «رسالة العبودية»، وفي «الفتاوى الكبرى»، وعلق عليه بقوله: «وَكُلَّمَا قَوِيَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَجَائِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَفْعِ ضَرُورَتِهِ قَوِيَتْ عُبُودِيَّتُهُ لَهُ وَحُرِّيَّتُهُ مِمَّا سِوَاهُ؛ فَكَمَا أَنَّ طَمَعَهُ فِي الْمَخْلُوقِ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ فَيَأْسُهُ مِنْهُ يُوجِبُ غِنَى قَلْبِهِ عَنْهُ»(6).

كما أورده ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد والروح وعدة الصابرين(7)، وابن كثير في البداية والنهاية(8).

شرح دعاء (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي)

حين رفض المشركون في مكة دعوة الحق، اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم إلى الله، فرفضوا وأقدموا على أذيته، حتى رفع يديه إلى ربه شاكياً ومتضرعاً بقوله: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس»؛ ففيه اعتراف بضعف قوته أمام أذى القوم، وقلة الحيلة في المواجهة، وتأكيد أن الناس لا يبالون ولا يقدرون ضعفه، وهو لا يجد ناصراً أو معيناً من الناس.

ثم يستمطر المدد والعون من الله تعالى مؤكداً أن الله هو أرحم الراحمين، وهو رب المستضعفين، ويسأله ألا يتركه إلى عدو أو قريب يعبس في وجهه أو يزيد عليه في الأذى.

ثم يعلن صلى الله عليه وسلم أنه لا يرجو إلا رضا الله ولا يخاف إلا من غضبه وعذابه، وأنه لا يبالي بالأذى إذا كان ذلك في رضا الله تعالى، فالعافية من غضب الله أوسع للعبد من الدنيا وما فيها.

ثم يستعيذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن ينزل به غضب الله أو يحل عليه سخطه، ويعلن رضاه بقضاء الله وقدره، طلباً لرضا الله تعالى، فلا حول ولا قوة إلا به عز وجل.

أهم المعاني الإيمانية في حديث (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي)

1- الدعاء عبادة وقوة، فقد أمر الله عز وجل بالدعاء وحذّر من تركه، في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ‌ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60)، فالداعي يستعين بالله، والله هو القوي المتين.

2- الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل، قال ابن القيم في التعليق على هذا الحديث: فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجميل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة، وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر، واللَّه سبحانه يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ‌أَخَذْنَاهُمْ ‌بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: 76)(9).

3- الشكوى لله سمة الأنبياء، فهذا أيوب عليه السلام يقول: (إِنَّمَا ‌أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، وهذا زكريا عليه السلام يقول: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً {4} وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً {5} يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً) (مريم)، فالشكوى هنا ليست اعتراضًا، بل إظهار للفقر، واعتراف بالعجز أمام القدرة الإلهية المطلقة.

4- غربة الدعاة وهوانهم على الناس، يشفق الداعية على قومه ويبذل جهده ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، راجياً منهم الاستجابة للدعوة والإيمان بالحق، لكنهم يستهينون به، ويتطاولون عليه، حتى يشعرونه بالغربة والحياة الصعبة، وهذا ما أوضحه الدعاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «وهواني على الناس»، إنه تعبير يؤكد قسوة الواقع، حين يحاصر أهل الباطل الدعوة وصاحبها ويستهينون به ويعذبونه، ولهذا كان هذا الدعاء تسليةً لكل داعية يستشعر الغربة، فالهوان عند الناس لا يعني الهوان عند الله.

5- المعيار الحقيقي للرضا، يؤكد الدعاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي» أن المعيار الحقيقي للرضا ليس ما أصاب العبد من أنواع الآلام، بل كيف نظر الله إليه، فإن كان نظر الله هو الرضا والقبول؛ فقد فاز المسلم بذلك، فليس الألم مشكلة، ولا الابتلاء كارثة، إن كان العبد في دائرة رضا الله، وهذه قاعدة كبرى في تربية النفوس؛ سلامة العلاقة مع الله تُهوِّن كل ما سواها.

اقرأ أيضاً:

3 خطوات لتحقيق الصبر

10 أوقات لاستجابة الدعاء

الهوامش
  • 1 المعجم الكبير: الطبراني (13/ 73).
  • 2 الجامع الصغير: السيوطي، ص 3107.
  • 3 سيرة ابن هشام (1/ 420).
  • 4 مجمع الزوائد (6/ 37).
  • 5 السلسلة الضعيفة (2933).
  • 6 الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (5/ 182).
  • 7 زاد المعاد (1/ 96)، والروح، ص 259، وعدة الصابرين (1/ 63).
  • 8 البداية والنهاية (2/ 150).
  • 9 عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (1/ 63).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة