معبد الإلحاد يهتز (4)
هل العبادة قسرٌ؟ وهل العذاب الإلهي قسوة؟
في زمنٍ اختلطت
فيه المفاهيم، وسادت فيه ثقافة التسطيح والتشكيك، تبرز أسئلة وجودية تُعاد صياغتها
بلغة شيطانية لا بحثًا عن الحقيقة، بل تهكُّمًا على الثوابت، ومن واجب الفكر
الرشيد أن يردّ بالعدل والعقل والحق؛ لأن منطق الإلحاد يمارس التدليس، ولأنه يعتمد
على جهل الجيل الصغير، جيل «تيك توك» و«فيسبوك»، ولا يبالي بفساد المنطق ولا هشاشة
الشبهات.
نص
الشبهة:
«قيل: إن الله
خلقنا لنعبده، تخيلت أني صنعت آلات عاقلة منحتها الإرادة الحرة ثم قلتُ لها: لقد
صنعتك لتعبديني، اسجدي لي وكوني ممتنة لوجودك، وإن لم تفعلي فالعقاب نار لا تنطفئ،
أليس في هذا الفرض نوعاً من التجبر؟ أليس طلب الطاعة المقرونة بالعذاب رغبة في
التمجيد؟ هل يحتاج الكامل إلى تمجيد المخلوق الناقص؟ وإن كانت عبادتي لا تزيده
شيئًا فلماذا يصرّ عليها إلى هذا الحد حتى يجعل من الامتناع عنها طريقًا نحو
العذاب الأبدي؟ ثم كيف يمكن لعقلٍ سوي أن يتقبل مشهدًا كهذا: خالقٌ يراقب مخلوقاته
وهي تتلوى في جحيمٍ لا ينتهي ويظل سعيدًا بما يراه؟ كأن في العذاب نشوة، وفي الألم
طمأنينة! فمن يكون هذا الكائن الذي يسعد بتأبيد العذاب؟ هل هو إله أم سلطان لا
يطيق العصيان؟ وهل السعادة المستمدة من ألم الآخر ما هي إلا صورة أخرى من القسوة
المقنّعة بالقداسة؟».
الشبهة تتناول 6
أسئلة أساسية، نرد عليها واحدة تلو الأخرى:
1-
هل خلقنا الله لنعبده لأنه بحاجة إلى تمجيدنا؟
الجواب: لا.
الله عزَّ وجل
غنيٌّ عن العالمين، يقول الله تعالى: (إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً
فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (إبراهيم: 8)، وقال جلَّ جلاله: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ)
(آل عمران: 97).
العبادة ليست
لحاجة الخالق، بل لحاجة المخلوق، الإنسان بخلاف الآلة، كائن ذو بُعد روحي، يبحث عن
المعنى والاتساق الداخلي، وكما أن الجسد يحتاج الغذاء، فإن الروح تحتاج العبادة؛ من
دعاء، وتأمل، وصلة بالخالق..
الدراسات
العلمية الحديثة في علم الأعصاب -مثل أبحاث Andrew Newberg- تُثبت أن الصلاة والتأمل تؤثر في تهدئة الدماغ، وتوازن
الهرمونات، وتُفعّل مناطق الرحمة والتسامح.
فمنطقيًا: إذا
كانت العبادة تزكّي النفس، وتمنح الاتزان، وتُحرّر من الخوف والأنانية، فهل هذه
قسوة أم رحمة؟
2-
هل الله سبحانه يُشبه سلطانًا لا يطيق العصيان؟
السلطان البشري
يُكرّس سلطته لحاجته للقوة والتأييد، أما الله عزَّ وجل فليس كمثله شيء، لا ينفعه
طاعة ولا تضره معصية؛ قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا
رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (فصلت: 46)، ويقول جلَّ جلاله: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ
شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل
عمران: 177).
الله عزَّ وجل
منح الإنسان حرية كاملة، لكنه أبلغه بعواقب اختياره، كما يفعل الطبيب حين يقول
لمريضه: «إن أقلعت عن السجائر والشيشة ستشفى، وإن لم تفعل سوف تهلك»، فهل الطبيب
متجبّر، أم ناصح أمين يريد الخير للمريض؟
3-
لماذا يكون العقاب أبديًا؟ أليس هذا قسوة؟
أولًا: الخلود
في النار لا يشمل الجميع، بل يخصّ مَن عرف الحق وجحده عنادًا وكبرًا، أما مَن جهل
أو زلّ أو لم تصله الرسالة كاملة، فلا يُعامل معاملة المستكبر المعاند.
ثانيًا: العقاب
الأبدي نتيجة لا رغبة، من اختار بحرية طريق الكفر والشرك والظلم والشر والإفساد
والإلحاد والإجرام، رغم ظهور الحق له، أليس قد اختار بنفسه طريق الجحيم؟ قال الله
تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا
أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5).
هل مِن العدل أن
يُساوى مَن اتقى وفعل الخير وسَما، بمن قتل وطغى وأفسد؟!
العدل يقتضي
التفريق، والعقوبة فرع من هذا العدل، لا شهوة إلهية.
4-
هل في العذاب نشوة إلهية؟ هل الله عزَّ وجل يستمتع بتعذيب مخلوقاته؟
قطعًا لا، قال
الله تعالى: (وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف: 156)، وقال جلَّ جلاله أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ
النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس: 44).
الله عزَّ وجل
لا يفرح بعذاب أحد، بل يفرح بتوبته، ويجعل الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بواحدة، قال
الله تعالى: (مَّا يَفْعَلُ
اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا
عَلِيمًا) (النساء: 147).
لو أراد الله
عزَّ وجل قهرهم، لخلقهم مجبرين على الطاعة، لكن الحرية منحة ربانية تُظهر كرامة
الإنسان.
5-
لماذا ربط الله تعالى العبادة بالعذاب؟ أليس هذا تهديدًا؟
ليس تهديدًا، وإنما
تحذير صادق من نتائج موضوعية، كما تقول لابنك: «إن لم تلتزم بقوانين المرور، ستعرض
نفسك للهلاك».
منطق الأخلاق
والعدالة يقتضي محاسبة المفسدين والطغاة؛ قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115)، فهل محاسبة
الظالم ظلم، أم عدالة؟!
6-
إذا كان الله يعلم أن البعض سيعصونه، فلماذا خلقهم؟
لأن وجود الشر
لا ينقض حكمة الخير، وجود الحرية يتطلب بالضرورة وجود مَن يختار الخطأ.
الله تعالى أعطى
العقل، والضمير، والرسالات، والبَيِّنات والكُتب، وترك للإنسان الخيار.
هل تلغي الجامعة
الامتحانات لأن بعض الطلاب سيفشلون؟ أم تُبقي النظام وتُكافئ المجتهد وتعاقب
المتكاسل؟
الله عزَّ وجل
خالق رحيم كريم عظيم حليم، لا سلطان جائر، غايته صلاح الإنسان لا إذلاله.
العبادة تُحرّر
لا استعباد، والعقوبة عدلٌ لا قسوة؛ قال الله تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا
يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ
وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: 17).